دعم سعودي للكهرباء في اليمن والسودان يقابله تمويل إماراتي للدعم السريع
في وقتٍ تواصل فيه المملكة العربية السعودية مدّ جسور التنمية والإعمار عبر برامج دعم واسعة في اليمن والسودان، تتكشّف في المقابل تقارير دولية مدوّية عن دور إماراتي في تأجيج الصراع السوداني. فبينما أنارت المولدات السعودية، ولأول مرة منذ أكثر من عقد، محافظات جنوب اليمن بالكهرباء على مدار الساعة، ووصلت قوافل إمدادات عاجلة إلى الخرطوم لتشغيل المستشفيات، كشفت وكالة «رويترز» ومصادر استخباراتية عن تمويل إماراتي لأكبر معسكر تدريب لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية. هذا التناقض الحاد بين سياستين خليجيتين لا يعكس اختلاف أدوات فحسب، بل يرسم خريطة متضادة للنفوذ الإقليمي: مقاربة تبني وتستثمر في الاستقرار، وأخرى تُتهم بتغذية النزاعات وتعقيد مسارات الحل، في مشهد يكشف عن رؤيتين متباينتين لمستقبل المنطقة العربية.
نور سعودي يضيء اليمن
شهدت محافظات جنوب اليمن، وفي مقدمتها عدن وساحل حضرموت، تحولًا نوعيًا في قطاع الكهرباء بفضل الدعم السعودي المتواصل. وللمرة الأولى منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، استمر التيار الكهربائي على مدار الساعة لمدة عشرة أيام متتالية، في إنجاز وصفه السكان المحليون بأنه «حلم تحقق».
هذا التحسن جاء ضمن برنامج التنمية والإعمار السعودي لليمن، الذي وقّع مذكرة تفاهم مع وزارة الكهرباء والطاقة اليمنية لإنشاء محطات توليد إستراتيجية في عدن والمكلا وسيئون وتعز، بطاقة إنتاجية أولية تبلغ 300 ميجاواط. كما قدمت الرياض منحة وقود بملايين الدولارات أسهمت في تشغيل محطات الكهرباء، ما أدى إلى استقرار الإمداد الكهربائي على مدار 24 ساعة يوميًا في عدن وساحل حضرموت، وفق تصريحات رسمية لقطاع الكهرباء المحلي.
وبحسب تقارير رسمية، استفاد أكثر من 12 مليون شخص من مشاريع البرنامج السعودي، بما في ذلك منحة المشتقات النفطية التي شغّلت 80 محطة توليد في مختلف المحافظات. وتواصل المملكة دعمها للبنية التحتية عبر استكمال المرحلة الثانية من مشروع توسيع طريق العبر في حضرموت بطول 40 كيلومترًا، ليرتفع إجمالي الطريق المكتمل إلى 91 كيلومترًا، بما يسهم في تسهيل حركة الأفراد والبضائع وربط المحافظات ببعضها.
الخرطوم تستقبل النور السعودي
لم يقتصر الدعم السعودي على اليمن، بل امتد إلى السودان الذي يواجه أزمة كهربائية خانقة منذ اندلاع الحرب في عام 2023. فقد وصلت إلى الخرطوم قافلة دعم سعودي عاجلة محمّلة بمولدات كهربائية ضخمة، وبدأ تشغيلها فورًا لتغذية خمسة مستشفيات رئيسية وأحياء من العاصمة والمنطقة الشمالية بالطاقة الكهربائية.
يأتي هذا التدخل في ظل أزمة إنسانية قاسية، بعدما فقد السودان قرابة 40 % من قدرته على توليد الكهرباء بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وتعاني المستشفيات من انقطاعات يومية تهدد حياة المرضى، لا سيما الأطفال حديثي الولادة ومرضى الغسيل الكلوي وغرف العمليات. خيوط الظلام الإماراتية
في المقابل، كشفت تحقيقات موسعة لوكالة «رويترز» عن دور إماراتي مباشر في تغذية الصراع السوداني، عبر تمويل وإنشاء معسكر تدريب سري لقوات الدعم السريع في إقليم بني شنقول – قماز غرب إثيوبيا، قرب الحدود السودانية. وأفاد 15 مصدرًا من مسؤولين إثيوبيين ودبلوماسيين، إلى جانب صور أقمار صناعية، بأن أبوظبي موّلت بناء المعسكر ووفرت مدربين عسكريين ودعمًا لوجستيًا.
ووفق مذكرة أمنية إثيوبية داخلية اطّلعت عليها «رويترز»، كان نحو 4.300 مقاتل من قوات الدعم السريع يخضعون للتدريب العسكري في المعسكر مطلع يناير، مع توفير إمداداتهم اللوجستية والعسكرية من قبل الإمارات، فيما أشارت برقية دبلوماسية إلى أن الطاقة الاستيعابية للمعسكر تصل إلى 10 آلاف مقاتل.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية تسارع وتيرة الإنشاءات منذ أكتوبر، شملت إزالة مساحات واسعة من الغابات، ونصب أكثر من 640 خيمة، ووصول معدات ثقيلة. ورصدت الصور أيضًا إنشاء محطة تحكم أرضية للطائرات المسيّرة في مطار أسوسا القريب، على بعد 33 ميلًا من المعسكر، ما يعزز فرضية تحوّل المطار إلى مركز عمليات لدعم قوات الدعم السريع.
أخطبوط النفوذ الإماراتي
لا يُنظر إلى الدور الإماراتي في السودان كحالة منفصلة، بل كجزء من نمط أوسع من التدخلات الإقليمية. ففي اليمن، دعمت أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي حاول في ديسمبر الماضي السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، ما فجّر أزمة سياسية حادة مع السعودية التي اعتبرت التحرك تجاوزًا لخطوطها الحمراء.
وأدت الضربات الجوية السعودية والهجوم المضاد المدعوم من الرياض إلى تراجع المجلس الانتقالي عن عدن في مطلع يناير 2026، فيما غادر زعيمه عيدروس الزبيدي إلى الإمارات، وأعلنت الحكومة اليمنية حله واتهامه بالخيانة العظمى. لاحقاً، أعلنت أبوظبي «انسحابها الطوعي» من اليمن بعد مطالبة الحكومة الشرعية بذلك.
وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إن «الإمارات قررت الآن مغادرة اليمن، وإذا كان هذا الانسحاب كاملاً، فإن المملكة العربية السعودية ستتحمل المسؤولية».
تداعيات إقليمية
يثير الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع مخاوف من انزلاق الحرب السودانية نحو صراع إقليمي بالوكالة، خاصة مع قرب المعسكر من سد النهضة الإثيوبي الكبير. ورغم صدور بيان إماراتي–إثيوبي مشترك في 6 يناير دعا إلى وقف إطلاق النار في السودان، تشير تقارير استخباراتية إلى استمرار الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع.
وتكشف المقارنة بين السياستين السعودية والإماراتية في اليمن والسودان عن تناقض عميق في الرؤى والأدوات. فبينما تستثمر الرياض مليارات الدولارات في الكهرباء والبنية التحتية والرواتب والمستشفيات، تلاحق أبوظبي اتهامات بدعم فصائل مسلحة تُسهم في إطالة أمد النزاعات وتمزيق النسيج الاجتماعي. وبين مشروع تنمية يسعى لإعادة بناء الدولة، ومسار عسكرة يوسّع رقعة الحرب، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سينتصر منطق الإعمار، أم أن المنطقة تتجه نحو مزيد من الظلام؟
مكة بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
