الخيط السياسي: كيف حوّل الفلسطينيون التطريز إلى أداة مقاومة وهوية
دبي، الإمارات العربية المتحدة – ما يبدو للعين زخارف تقليدية وألواناً زاهية على الثياب الفلسطينية، يحمل في طياته رواية أعمق عن الأرض والهوية والمقاومة. ففن التطريز الفلسطيني العريق، المتجذر منذ قرون، تجاوز كونه حرفة جمالية ليتحول إلى وسيط بصري قوي لرواية حكاية الشعب الفلسطيني وتأكيد وجوده، خاصة في أعقاب النكبة وما تلاها من أحداث.
فنان فلسطيني شاب، هو أيهم حسن المولود في رام الله أواخر تسعينيات القرن الماضي، يدرك هذا الثقل جيداً. تشكلت رؤيته الفنية من فهم عميق للتداخل بين السياسة والتعبير البصري، حيث تستلهم أعماله عناصر من الواقع الفلسطيني، لا سيما في غزة. يوضح حسن: “أدركتُ في وقت مبكر أنّ المنسوجات الفلسطينية ليست مجرّد أشياء، بل هي شواهد حيّة تحمل في طيّاتها الجغرافيا، والنَّسَب، والذاكرة”. ويضيف، مشيراً إلى لون مميز في عمله: “غدا لون الماجنتا مفتاحاً بصرياً ومفاهيمياً للتعبير عن المحو والبقاء”. ويتجلى حضور التطريز عنده ليس فقط في الشكل، بل في “بنية العمل، والطريقة التي أصمّم بها من الأساس”، كما يقول في عمله المعنون “IM-Mortal Magenta: اللون الذي لا وجود له”.
هذه النظرة التي ترفع التطريز من فن زخرفي إلى لغة بصرية حاملة للهوية والمقاومة، ليست وليدة اليوم. فالتطريز الفلسطيني التقليدي ارتبط تاريخياً حميمياً بالأرض وخصائصها. كانت النساء في المجتمعات الريفية، وهنّ الحارسات الرئيسيات لهذا التراث، يربطن من خلال التفاصيل الدقيقة – من ألوان محددة وتقنيات غرز إلى رسوم نباتات وزهور – الثوب بمنطقته الجغرافية الأصلية. كما حملت الزخارف دلالات على المكانة الاجتماعية وأحداث الحياة الكبرى كالزواج أو الترمل.
لكن نقطة التحول الجوهرية جاءت مع النكبة الفلسطينية عام 1948 وما أعقبها من تهجير. هنا، تحول التطريز إلى أكثر من مجرد تراث؛ أصبح وسيلة مقاومة سلمية وتوثيقاً حياً للهوية المهددة. خلال الانتفاضات المتعاقبة، اكتسب بُعداً جديداً كـ”دليل مادّي على الوجود الفلسطيني”، كما تصفه الدراسات مثل “خياطة الانتفاضة: التطريز والمقاومة في فلسطين” و”ذاكرة الخيط: التطريز من فلسطين”. وبدأت النساء بإدخال رموز سياسية صريحة، أشهرها فاكهة البطيخ، التي تحولت إلى رمز للتضامن نظراً لتشابه ألوانها (الأحمر والأخضر والأسود والأبيض) مع ألوان العلم الفلسطيني المحظور آنذاك.
ويستمر حضور التطريز بقوة على الساحتين المحلية والدولية. في عام 2021، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) التطريز الفلسطيني ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، خطوة هامة للحفظ والصون. كما تجد هذه الحرفة طريقها إلى عالم الموضة المعاصرة، حيث ظهر فستان يتضمّن التطريز الفلسطيني في عرض دار “Reemami” لموسم ربيع/صيف 2024. وارتدت الممثلة الفلسطينية-الكندية سجى كيلاني فستاناً مستوحى من الثوب الفلسطيني، مزيناً بتطريز تقليدي عند خط العنق، صممته خصيصاً المصممة الأردنية ريما دحبور، وفقاً لما أظهرته صور لـ Roger Kisby/2026GG/Penske Media/Getty Images.
ويواصل الباحثون والمهتمون تسليط الضوء على هذا التراث. فقد أمضت الباحثة ديدمان عقداً من الزمن في البحث عن فن التطريز وتنسيق معارض له في أوروبا والشرق الأوسط، بدءاً من دعوة تلقتها من المتحف الفلسطيني في بيرزيت شمال رام الله عام 2014.
ختاماً، يظل التطريز الفلسطيني خيطاً متصلاً يربط الماضي بالحاضر، حاملاً في كل غرزة وشكل قصة شعب وتشبثه بأرضه وهوّيته. فهو ليس فنّاً تجميلياً فحسب، بل لغة مقاومة صامتة وقوية، ووثيقة حية تشهد على التاريخ والثقافة الفلسطينية المستمرة، رغم كل محاولات المحو، مؤكدة مقولة أن الخيط والإبرة يمكن أن يكونا أداتين فعالتين في سرد الرواية وصنع التاريخ.
مكة بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
