الرئيسيةكتاب و آراءضحية حادث يدفع الثمن مرتين: تعطل...
كتاب و آراء

ضحية حادث يدفع الثمن مرتين: تعطل المركبة وانخفاض قيمتها واستمرار الأقساط

مايو 19, 2026 أحمد خيرت

في قصة تتكرر يومياً على طرق السعودية، يعيش عصام (شخصية خيالية) لحظة الخوف والألم بعد أن تضررت مركبته في حادث سير، لكن المفاجأة أن تقرير شركة نجم لخدمات التأمين أظهر أن الطرف الآخر هو المخطئ بنسبة 100%. منطقياً، كان يفترض أن تبدأ إجراءات الإصلاح وتحول سيارته إلى الورشة، لكن معاناته لم تنتهِ عند هذا الحد، بل بدأت فصلاً جديداً من الخسائر غير المنظورة.

القسط لا يتوقف رغم توقف المنفعة

السيارة التي اشتراها عصام هي التزام مالي يمتد لسنوات، بأقساط شهرية منتظمة وتأمين شامل دفع بثقة، على أساس أن منظومة التأمين وجدت لحمايته. لكن بعد الحادث، دخلت المركبة الورشة وتوقفت المنفعة، بينما لم تتوقف الالتزامات. القسط ما زال يُطلب منه، والخصم البنكي مستمر، رغم أن الأصل الذي يدفع مقابله لم يعد متاحاً للاستخدام. هذا الواقع يفتح باباً واسعاً لسؤال جوهري: من يعوض هذا الخلل؟

خسارة دائمة في القيمة السوقية حتى بعد الإصلاح

الخسارة الأعمق لم تكن في أيام التعطل فقط، بل في الأثر الدائم. ففي سوق المركبات، الحادث ليس مجرد واقعة عابرة، بل علامة تؤثر على القيمة السعرية للمركبة. حتى بعد الإصلاح الكامل، تبقى المركبة أقل سعراً مما كانت عليه. الانخفاض في القيمة لا يظهر في فاتورة الإصلاح، لكنه يظهر بوضوح عند البيع أو التقييم. السؤال الذي يطرح نفسه: من يعوض هذا الفرق؟

التعويض يقتصر على الضرر الفني.. والأثر الاقتصادي مهمل

نظام التأمين يخضع لإشراف البنك المركزي السعودي، الذي يؤكد في مبادئه على حماية حقوق المستفيدين وتعزيز العدالة في التعاملات المالية. كما أن هيئة التأمين، بصفتها الجهة المنظمة والمشرفة على قطاع التأمين، تعمل على تنظيم العلاقة بين المؤمن لهم وشركات التأمين وضمان عدالة التعويض وفق الوثائق المعتمدة. لكن في التطبيق العملي، يتركز التعويض غالباً على إصلاح الضرر الفني، دون أن يشمل بالضرورة الأثر الاقتصادي الكامل الذي يتحمله المستفيد، مثل انخفاض القيمة السوقية أو استمرار الالتزامات التمويلية خلال فترة التعطل.

المفارقة الأعمق تظهر عندما تكون المركبة ممولة: من الناحية النظامية، تبقى جهة التمويل طرفاً أصيلاً في ملكية الأصل حتى سداد كامل الالتزام، ومع ذلك فإن الخسارة الناتجة عن انخفاض القيمة أو تعطل المنفعة لا تنعكس على التزام القسط، بل تستمر على المستفيد وحده. القسط لا يتوقف، والقيمة تنخفض، والخسارة تتركز في طرف واحد.

مفهوم التعويض الكامل والعدالة المالية

هذا الواقع يفتح باباً واسعاً لسؤال جوهري حول مفهوم التعويض الكامل: هل التعويض هو مجرد إصلاح المعدن؟ أم أنه يجب أن يشمل إعادة المستفيد إلى وضعه المالي الذي كان عليه قبل وقوع الضرر؟ هيئة التأمين وضعت أطراً تنظيمية تهدف إلى حماية المستفيد وتعزيز الشفافية والعدالة، لكن تطور السوق وتعقيد المنتجات التمويلية والتأمينية يطرحان الحاجة المستمرة لمراجعة الممارسات التطبيقية، لضمان أن الحماية لا تقتصر على الجانب الفني، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي الكامل للمستهلك. العدالة، في جوهرها، لا تقاس بعودة المركبة إلى الطريق، بل أيضاً بعودة المستفيد إلى موقعه المالي الذي كان عليه قبل الحادث، حيث تقيم السيارة قبل وبعد، والفرق يدفع عنه.

أعلم أن هناك من يقول إن البعض قد يتعمد إلحاق الضرر بمركبته للحصول على تعويض، لكن في اعتقادي أنه لا ينبغي أن يؤخذ الكل بجريرة أشخاص محدودين، ويمكن وضع القوانين الكفيلة بضمان الحقوق. كما أن غالبية المبلغ ستكون قسطاً أو قسطين من السيارة وليس كامل المبلغ أو جزءاً منه، فهناك أحقية الضرر الكامل، وهو حق أصيل في نظام التأمين للمتضرر بنسبة 50% أو أكثر، أن يعوض تعويضاً كاملاً.

لا ننسى أن نعرج على نقطة أن الرجل المتضرر لا يعوض بسيارة بديلة، وهذا ركن رئيس لانتفاء المنفعة، ويضطر من جيبه الخاص لاستئجار مركبة طيلة فترة الإصلاح وإن طالت. أعتقد أن الموضوع فيه وضوح تام الآن، لكنه يحتاج إلى دراسات لوضع آلية التعويض، خاصة أن الأطراف المهمين في التعويض، وهم البنك وشركات التأمين، خاضعون لجهة واحدة هي البنك المركزي.