هندسة الوعي الجماعي وصناعة الأكاذيب عبر الذكاء الاصطناعي

الأربعاء – 15 يوليو 2026
في ظل الاقتصاد الرقمي والاتصال الفوري، تحولت المعلومات إلى مورد استراتيجي، وأصبح تشكيل الرأي العام إحدى أبرز أدوات القوة السياسية. ومع تسارع تطور النماذج التوليدية للذكاء الاصطناعي التي باتت متاحة للجميع، أصبحت هذه النماذج قادرة على إنتاج محتوى مزيف يصعب على الفرد العادي وحتى المتخصصين أحيانًا تمييزه عن المحتوى الحقيقي، ما أدخل مرحلة التضليل إلى مستوى أكثر تعقيدًا.
التزييف العميق وتأثيره على الرأي العام
تقنيات التزييف العميق «Deepfake» تسمح للذكاء الاصطناعي بمحاكاة تعابير الوجه، ونبرات الصوت، وحركات الجسد بدقة عالية، مما يجعل كشفها صعبًا خاصة مع ظهور نماذج قادرة على التعلم المستمر. نتيجة لذلك، تتراجع قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والاختلاق، وتكتسب الجهات الفاعلة القدرة على صياغة روايات بديلة تبدو أكثر إقناعًا من الوقائع نفسها.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الانتخابات والحروب
خلال الانتخابات الهندية لعام 2024، استُخدمت تقنيات استنساخ الأصوات والترجمة الآلية لتوليد خطابات انتخابية بلغات محلية متعددة، وظهر نسخ رقمية لعدد من المرشحين للتواصل مع الناخبين في مناطق مختلفة، ما عكس تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة مباشرة في الحملات الانتخابية.
في الولايات المتحدة، أثارت المكالمات الهاتفية التي استخدمت صوتًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي لمحاكاة جو بايدن جدلًا واسعًا بعد توجيهها إلى ناخبين قبيل الانتخابات التمهيدية، في محاولة للتأثير في مشاركتهم السياسية. كما شهدت الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024 انتشارًا واسعًا للصور والفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي، ما دفع السلطات الفيدرالية وشركات التكنولوجيا إلى تطوير آليات أكثر صرامة لرصد المحتوى المزيف والإفصاح عنه.
وشهدت انتخابات إندونيسيا والمكسيك في 2024 استخدامًا واسعًا للأدوات التوليدية في إنتاج المحتوى الانتخابي، سواء في الحملات الرسمية أو عبر الحسابات غير الرسمية، ووُصفت تلك الانتخابات بأنها أول انتخابات عالمية دخل فيها الذكاء الاصطناعي بوصفه لاعبًا سياسيًا مؤثرًا.
وفي سياق الحرب الروسية الأوكرانية، انتشرت مقاطع فيديو مزيفة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تدعو الجنود إلى الاستسلام، وانتشرت مواد إعلامية ملفقة استهدفت التأثير في الروح المعنوية وتشويه صورة القيادات السياسية والعسكرية، وهو ما حذرت منه تقارير الأمم المتحدة والمنتدى الاقتصادي العالمي التي أشارت إلى أن الحروب المستقبلية تعتمد على التفوق العسكري والمنافسة الشرسة في المجال المعرفي، بهدف إعادة تشكيل الإدراك العام والتأثير في القرارات عبر الفضاء الرقمي.
الجهود العالمية لمكافحة التضليل
قرر الاتحاد الأوروبي تبني «قانون الذكاء الاصطناعي» EU AI Act 2024، حيث صنّف بعض تطبيقات التزييف العميق كعالية الخطورة، وفرض ضرورة الإفصاح عن المحتوى الذي يُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي في ظروف محددة.
وقدمت شركات كبرى مثل مايكروسوفت وغوغل وأوبن إيه آي حلولًا للعلامات المائية الرقمية وأساليب لتوثيق مصدر المحتوى.
ويهدف تحالف «C2PA» إلى إنشاء إطار عمل عالمي يضمن صحة الصور والفيديوهات والمحتوى الرقمي.
وأصدر المنتدى الاقتصادي العالمي سلسلة تقارير صنفت المعلومات المضللة التي يولدها الذكاء الاصطناعي среди أبرز المخاطر العالمية للسنوات القادمة، نظراً لما تمثله من خطر على الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي وثقة الجمهور في المؤسسات.





