الرئيسيةعربي و عالميمكتبة خلف الجدار.. سوري يعثر على...
عربي و عالمي

مكتبة خلف الجدار.. سوري يعثر على كنزه بعد سنوات من الإخفاء

بعد غياب دام سنوات طويلة، تمكن السوري عبد الله مصطفى خالد علوان (72 عاماً)، المعروف بـ”أبو بلال“، من استعادة مكتبته التي أخفاها خلف جدار في منزله بمدينة حمص، خوفاً عليها من بطش نظام الأسد السابق. وعند عودته إلى منزله بعد سقوط النظام، وجد المكتبة سليمة رغم احتراق المنزل، في مشهد انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأثار تفاعلاً واسعاً.

بداية الحكاية.. خوف من ”إرهاب النظام“

يعود السبب وراء إخفاء المكتبة إلى مشاركة علوان في المظاهرات المناهضة للنظام عام 2011، وتصاعد الأوضاع نحو العمل المسلح أواخر ذلك العام، مما دفع سكان حارته إلى مغادرة منازلهم. ومع استعداده للنزوح، واجه معضلة مصير كتبه؛ إذ لم يكن قادراً على نقلها أو إيداعها لدى أحد، ولم يطمئن لتركها في منزل بات نشاط صاحبه معروفاً.

ويقول علوان للأناضول: ”المكتبة غالية عليّ، وهي رصيد وكنز عندي. لم أكن أرغب قط في التفريط فيها، ولا أستطيع ذلك مهما حدث“. وأضاف: ”كان هناك كبت وظلم، وكنا دائما تحت المراقبة“، مشيراً إلى التضييق الذي كان يمارس على رواد دروس العلم في المساجد في عهد النظام المخلوع، حيث كانت تؤخذ هويات الحاضرين عند الأبواب ويراقبون.

ومع مشاركته في الاحتجاجات، خشي علوان من إحراق المنزل بما فيه، فقال: ”إذا تركتها هنا، فسيحرقون المنزل ويحرقونها معه“.

جدار يخفي الكتب وينجو من الاحتراق

وجد علوان مكاناً مناسباً لإخفاء الكتب في شقة ابنه الواقعة فوق منزله مباشرة. اختار جزءاً من إحدى الغرف، ووضع فيه المجلدات، ثم غطاها بالكرتون لحمايتها من الرطوبة، وبنى أمامها جداراً بمساعدة شباب الحي. ولم يكتف بذلك، بل كسا الجدار وطلاه ليتناغم مع الغرفة، وغير الحواف السفلية لجدران الغرفة كلها ولونها بالأسود لإخفاء أي أثر للبناء.

جرى كل هذا في اللحظات الأخيرة قبل النزوح وإفراغ الحي، لكن المساحة لم تتسع لكل الكتب، فبقي قسم منها في المنزل. وعند انتهائه، قال علوان آنذاك: ”من بقي له عمر سيعود. إن لم نجدها فقد فعلنا ما علينا، والباقي على الله“.

نزح علوان إلى ريف حمص الشمالي وبقي هناك حتى عام 2018، ثم انتقل إلى الشمال السوري، بينما ظلت الكتب خلف الجدار طوال غيابه. وبعد سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، عاد إلى حمص، وصلى في مسجد خالد بن الوليد، ثم توجه إلى منزله فوجده محروقاً. ويقول إن قوات النظام المخلوع أحرقته بما بقي فيه من كتب وأثاث. لكنه حين صعد إلى الشقة العلوية، وجد الجدار الذي أخفى خلفه المكتبة كما تركه. ويعتقد أن الضرر في الشقة العلوية كان أقل لأن قوات النظام لم تكن تعرف أنها تعود لأسرته، إذ كان شراؤها حديثاً قبل النزوح.

إصلاح المنزل واستعادة الكنز

رغم فرحته ببقاء الجدار، لم يبادر علوان بهدمه فوراً؛ فالمنزل المحروق كان بحاجة إلى إصلاح، وأبناؤه يقيمون في مساكن مستأجرة متفرقة، ولم يكن لديه مكان ينقل الكتب إليه. لذلك أصلح الشقة العلوية وأقام فيها، وأبقى المكتبة خلف الجدار إلى أن جهز مكاناً لها. بدأ ترميم منزله قبل نحو أربعة أشهر من المقابلة مع الأناضول، وأنهى الأعمال قبل نحو عشرين يوماً، ثم شرع في نقل الأثاث وتجهيز الغرفة لاستقبال الكتب.

وبعد تجهيز المكان، بدأ هدم الجدار الذي بناه قبل الرحيل، حتى ظهرت المكتبة خلفه. استعاد لحظة العثور عليها قائلاً: ”بفضل الله وجدناها نظيفة.. ما أجملها! وجدت ما أحببت أن أحافظ عليه، وقد حفظه الله لي“.

اليوم، تمتد رفوف الكتب في منزله، بينما يقلب صفحات أحد المجلدات ويشير إلى مجموعات باتت متاحة للقراءة. وبدأت المكتبة تستعيد دورها مرجعاً للأسرة؛ إذ يقول علوان إن أحد أبنائه أخذ نحو 50 إلى 60 مجلداً ليستعين بها، ويأخذ المزيد كلما زاره. وبعد سنوات من القلق على كتبه، يتطلع الآن إلى من ينتفع بها، قائلاً: ”إن شاء الله، يظل هؤلاء الشباب ينتفعون بها، وتنتفع بها الأمة“.

وكان سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 قد فتح باب العودة أمام لاجئين ونازحين سوريين، وجد بعضهم منازلهم مدمرة. وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيان صدر في 20 يونيو/ حزيران 2025 ضرورة دعم إعادة تأهيل المنازل والمدارس والبنية التحتية لمساعدة العائدين على الاستقرار.