الشباب الذكور كقوة متقلبة قد تحدد نتائج انتخابات النصفية في نوفمبر

مع اقتراب انتخابات نوفمبر النصفية، يبدو أن التحدي الأكبر أمام الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا يقتصر على الاستقطاب الحاد السائد في المشهد السياسي، بل يمتد إلى شريحة انتخابية أقل استقراراً وأكثر تذمراً: الشباب، لا سيما الذكور من جيل “زد”، ومن بينهم البيض غير الحاصلين على شهادات جامعية الذين ساهموا بشكل ملحوظ في عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2024. هؤلاء لا يرون في الديمقراطيين خياراً إيجابياً، وفي الوقت نفسه لم يعودوا متحمسين لتصويتهم لترامب كما كان في السابق.
تراجع الدعم من الشباب والطبقة العاملة البيضاء
تظهر تقارير صحف أمريكية أن الاستطلاعات الأخيرة تسجل انخفاضاً واضحاً في تأييد ترمب بين الشباب والطبقة العاملة البيضاء، دون أن ينجح الديمقراطيون بعد في ملء الفراغ السياسي الذي خلفه هذا التراجع. كان الاقتصاد هو العامل الأوسع الذي دفع الكثير من الشباب، وخاصة الرجال، إلى الانزياح يميناً في انتخابات 2024، حيث وعد ترمب بخفض الأسعار، وإعادة الوظائف، وحماية العمال من العولمة، وتقديم إجابات مباشرة على شعور كبير بأن المستقبل لم يعد متاحاً كما كان للأجيال السابقة.
خيبة من وعود ترمب وتداعياتها اليومية
اليوم يصطدم هذا الوعد بواقع معيشى أكثر قسوة: لا تزال أسعار المواد الأساسية مرتفعة، ويتأثر سعر البنزين بتداعيات الحرب مع إيران، كما أن التعريفات الجمركية التي روج لها ترمب كأداة لإحياء الصناعة الأمريكية أصبحت في نظر بعض مؤيديه سبباً إضافياً للاضطراب. نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن شاب صوّت لترامب تعبيره عن انتظار غير مجدي، قائلاً إن الرئيس وعد بأن الأمور “ستسوء بسبب التعريفات ثم تتحسن”، مضيفاً: “ما زلنا ننتظر”. وشاب آخر أيد ترمب بسبب موقفه من الإجهاض لكنه صُدم من حملات الهجرة وندم على قراره.
هذه الشهادات ليست معزولة، بل تعكس نمطاً أوسع أظهرته استطلاعات “نيويورك تايمز/سيينا كوليدج”، حيث تراجعت نسبة تأييد ترمب بين الرجال الشباب بنحو عشرة نقاط مئوية خلال أشهر قليلة.
تردد بين الحزبين وعدم وجود بديل مقنع
المفارقة تكمن في أن هذا التراجع لا يعني توجّه هؤلاء تلقائياً نحو الديمقراطيين. كثير منهم يعتقد أن الحزبين لا يفهمان قلقهم. هم محبطون من ترمب، لكنهم لا يجدون في الخطاب الديمقراطي بديلاً مقنعاً أو لغة تخاطب مشكلاتهم اليومية دون تعالٍ أو تنظير.
الأزمة الانتخابية داخل القاعدة البيضاء العاملة
تشير صحيفة “واشنطن بوست” إلى تراجع ملحوظ في شعبية ترمب داخل القاعدة البيضاء العاملة التي شكّلت العمود الفقري لصعود{ه} منذ .
حسب استطلاع “سي بي إس نيوز/يوغوف” في أيار، أفاد 54 في المائة من البيض غير الحاصلين على شهادات جامعية أنهم لا يوافقون على أداء ترمب، بعد أن كانت النسبة 32 في المائة فقط في شباط 2025، و45 في المائة في شباط العام الحالي.
هذه الأرقام ذات وزن انتخابي كبير، خصوصاً في ولايات مثل أوهايو التي فاز فيها ترمب بفارق 11 نقطة عام 2024. يعتمد الجمهوريون على حماسة هذه القاعدة للاحتفاظ بمقاعد مجلس الشيوخ ومناصب حكام الولايات. لكن شهادات العمال والموظفين التي تنقلها الصحيفة تكشف تحوّلاً من الثقة إلى التردد، ومن التردد إلى العزوف. عاملة نظافة صوّتت لترامب قالت إنها لم تعد ترغب في التصويت لأي طرف، لأن السياسيين، بحسب رأيها، يقدمون “وعوداً زائفة”.
العجز الديمقراطي في استقطاب الشباب
يعترف الديمقراطيون بأنهم خسروا جزءاً من الشباب الذكور لأنهم تركوا فراغاً ملأته أصوات يمينية مؤثرة مثل جو روغان وتاكر كارلسون وجي دي فانس وتشارلي كيرك قبل مقتله. لم تقدم هذه الأصوات دوماً حلولاً اقتصادية مفصلة، لكنها وفرت لغة مباشرة عن الأسرة والعمل والمكانة الاجتماعية.
نقلت “نيويورك تايمز” عن ناشطين يساريين قولهم إن الجمهوريين نسجوا مخاوف العمل والسكن والزواج في “نسخة طموحة من المستقبل”، أي ربطوا الضيق الاقتصادي بحلم اجتماعي مفقود: منزل، وظيفة مستقرة، زوجة، أطفال، واحترام.
في المقابل، يرى بعض الشباب أن اليسار يتعامل مع هذه الطموحات ببرود أو ارتياب، خصوصاً عندما تتصل بدور تقليدي للرجل كمعيل أو حامٍ للأسرة. حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم صرح أن حزبه كان “خجولاً” في التعامل مع قضايا الرجال، داعياً إلى رؤية إيجابية للرجولة لا تجعل الرغبة في رعاية الأسرة أو حمايتها مدعاة للخجل. أما حاكم ماريلاند ويس مور فاعتمد مقاربة مختلفة، مؤكدًا أن الشباب ليسوا “مشكلة ينبغي حلها” بل هم “رصيد ينبغي اكتشافه”.
إلا أن هذه اللغة لا تزال في بدايتها، بينما الانتخابات تقترب. وعلى الرغم من جلسات الاستماع ومجموعات التركيز والإعلانات الانتخابية، لم يثبت الديمقراطيون بعد قدرتهم على تحويل التعاطف إلى مشروع سياسي واضح.
الشباب ككتلة غير محسومة
يحذر ريتشارد ريفز، رئيس “المعهد الأمريكي للفتيان والرجال”، من افتراض أن الشباب الذكور أصبحوا كتلة ترمبية صلبة أو نسخة من جماعات متطرفة. بل وصفهم بأنهم “متأرجحون جداً ومتاحون للاستقطاب”، وربما يكونون مفتاح فهم المعركة الانتخابية المقبلة.
فهم ليسوا جميعاً محافظين أيديولوجياً؛ إذ تشير استطلاعات متعددة إلى أن كثيراً منهم يحمل مواقف تقدمية في قضايا مثل الإجهاض وزواج المثليين. كما وجدت منظمات ليبرالية، في محادثات مع 35 ألف ناخب في الجامعات، أن القضايا الثقافية أو الجندرية لم تكن في صدارة اهتماماتهم؛ بل كان القلق من الفساد، والاقتصاد، ثم الحرب مع إيران وتداعياتها على أسعار الوقود.
مع ذلك، لا يعني ذلك أنهم سيصوتون للديمقراطيين. بحسب “نيويورك تايمز”، هم أصلاً باحثون عن اعتراف بمشكلاتهم: سوق عمل قاسي، وتراجع وظائف تقليدية ارتبطت بالرجال، وصعوبة شراء منزل، وقلق من الزواج والعلاقات، وشعور بأن المجتمع لا يعرف أين يضعهم. اليمين يقدم لهم سردية هوية وانتماء، حتى وإن كانت تبسيطية. واليسار يقدم سياسات، لكنها تبدو أحياناً أكاديمية، باردة، وغير قادرة على مخاطبة مصادر قلقهم.





