معركة الأرباح وراء ضغطة زر في تطبيقات التوصيل

خلف العملية التي تبدو بسيطة لطلب وجبة عبر تطبيق، تدور منافسة اقتصادية معقدة بين منصات التوصيل والمطاعم، حيث تتشابك اعتبارات التسويق مع متطلبات التشغيل وتتصادم سعي الطرفين لتحقيق الربحية.
سوق التوصيل في توسع
وفقًا للهيئة العامة للنقل، سجلت المملكة أكثر من 118 مليون عملية توصيل خلال الربع الأول من عام 2026، ما يمثل زيادة تقارب 49% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. هذا الارتفاع يعكس تحولًا واضحًا في سلوك المستهلك السعودي الذي بات يعتمد بشكل متزايد على تطبيقات التوصيل كوسيلة رئيسية للحصول على الطعام.
وبسبب هذا النمو، أصبحت منصات التوصيل قناة بيع أساسية للعديد من المطاعم، لكنها في الوقت نفسه غيرت قواعد المنافسة، بحيث تحول الوجود داخل هذه التطبيقات من خيار تسويقي إلى ضرورة تنافسية للبقاء في السوق.
العمولات والتكاليف المخفية
يؤكد المستشار التجاري محمد الحسون وجود فجوة واضحة بين ما تنص عليه العقود وما يحدث فعليًا على الأرض. يوضح أن العمولة المعلنة قد تصل إلى 18% إلا أنها ترتفع بعد إضافة تكاليف الحملات الإعلانية، ورسوم تحسين الظهور داخل التطبيق، والمشاركة في الخصومات، والمساهمة في عروض التوصيل المجاني، مما قد يدفع التكلفة الإجمالية لتجاوز 40% في بعض الحالات.
ويشير الحسون إلى أن مراجعة مالية أجريت لأحد المطاعم أظهرت أن زيادة المبيعات لم تترافق مع نمو في الأرباح، بل أدى ذلك إلى تراجع هامش الربح وتجميد جزء من السيولة، ما انتهى بإيقاف التعامل مع إحدى المنصات. ويرى أن الحلول التي تقترحها التطبيقات، مثل رفع الأسعار أو تقليل حجم الوجبات أو شراء مساحات ظهور مدفوعة، غالبًا ما تعالج احتياجات المنصة أكثر من حلول مشكلات المطعم.
وجهات نظر حول الحلول
من جهة أخرى، يقدم المستشار في التسويق جمال الفضلي قراءة مختلفة؛ فهو لا ينكر التحديات التي تواجه المطاعم لكنه يرى أن نجاح تطبيقات التوصيل لم يأتِ من فراغ، بل لأنها قدمت قيمة حقيقية للعميل. ويقول: “أنا كعميل أفضل تطبيقات التوصيل، لأنها توفر عليّ الوقت والجهد، وأنا مستعد لدفع ضعف السعر مقابل هذه القيمة\).”
ويشير الفضلي إلى أن اشتراكه في باقات التوصيل المجاني، والاستفادة من الخصومات، وإمكانية الدفع الآجل، وسرعة التعويض عند حدوث أي خطأ، كلها عوامل جعلت التطبيقات خياره الأول. ويرى أن هذه القيمة هي التي ولّدت ولاء العملاء للتطبيقات، حتى وإن كانت تكلفتها تتحملها المطاعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويؤكد الفضلي أن الأزمة التي تواجه المطاعم ليست في التسويق، بل في التشغيل وإدارة الربحية. ويقترح إعادة تسعير المنتجات داخل التطبيق لتغطي كامل تكلفة العمولات والمصاريف مع الحفاظ على هامش ربح المطعم، إلى جانب معالجة مشكلة تأخر المستحقات عبر حلول تمويلية مخصصة لنقاط البيع لضمان استمرارية التدفقات النقدية. ويشدّد على أن تطبيقات التوصيل أصبحت قناة بيع رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها، وأن نجاح المطعم يعتمد على قدرته في إدارة تكاليفها، لا في الابتعاد عنها.
من جهة مقابلة، يرى بعض أصحاب الرأي أن رفع الأسعار لتعويض العمولات قد يؤدي إلى مشكلة جديدة؛ فكلما ارتفعت قيمة الفاتورة دخلت المطاعم في برامج تتحمل بموجبها نسبة أكبر من تكلفة التوصيل المجاني، لتعود الأعباء إليها مرة أخرى. كما يشيرون إلى أن الفارق الكبير بين سعر المنتج داخل التطبيق وسعره في الفرع قد ينعكس سلبًا على صورة العلامة التجارية، حيث قد يفسره العميل على أنه استغلال حتى وإن كانت الزيادة ناتجة عن تكاليف تشغيلية.
ويعتقدون أيضًا أن اللجوء إلى التمويل لتغطية تأخر المستحقات لا يعدو كونه حلًا مؤقتًا، بينما يكمن الحل الأكثر استدامة في بناء قنوات بيع مباشرة للمطعم، مثل التطبيقات والمواقع الإلكترونية الخاصة به، مع الإبقاء على منصات التوصيل كقناة مساندة، لا كقناة بيع رئيسية.





