التعليم والتعلّم: رحلة من التلقين إلى توليد المعرفة

في ظل الطوفان المعرفي الراهن، لا تعدو المعلومات المتدفقة بأشكالها المتنوعة أن تكون إعادة تدوير للمعطيات القائمة، لا ابتكاراً حقيقياً. إذ يُعاد تقديم المعلومة ذاتها في قوالب مختلفة، وما دام العالم يعيش مرحلة استهلاكية شاملة، فقد غدا تدفق المعلومات والعملية التعليمية ككل سلعة استهلاكية بحتة، مما يُبعدها عن مسارها السليم.
المعلومة الجاهزة مقابل الاكتشاف الذاتي
في زمن السيول المعرفية، تحضر المعلومة جاهزة دون بذل أي جهد لتحصيلها، على نقيض ما يجب أن يكون عليه الحال عند اكتشافها. فمثلاً، يُسلَّم الجميع بأن الماء ناتج عن اتحاد ذرتي هيدروجين مع ذرة أكسجين، دون أن يشهد أحد هذه العملية. كذلك، النسبة الثابتة لمحيط الدائرة إلى قطرها تُسلَّم بها بغض النظر عن حجم الدائرة. هنا تُؤخذ المعلومة كمسلمة معرفية بعيداً عن الفحص والاختبار والملاحظة. قارن هذا باكتشاف تلك الحقيقة العلمية في المختبر — وهو أمر نادر الحدوث — أو بملاحظة دقة الرياضيات في فيزياء حركة الأجسام وفي الكون الفسيح، حينها تتبين الفجوة بين نظام تعليمي قائم على السؤال والفحص والملاحظة، ونظام تعليمي استهلاكي يُقدّم المعرفة جاهزة.
التعليم بوصفه عملية خلاّقة
لغوياً، يحمل مفهوم التعليم معنى توليد الشيء من لا شيء، مما يضع التفكير وإعمال العقل والحواس في صلب العملية التعليمية. وهكذا يصبح التعليم نشاطاً إنسانياً خلاّقاً يتجدد كالنهر الجاري، تغذيه أسئلة العلم والفلسفة والمنطق، وما يستجد في المجتمع من مشكلات معرفية أو تنموية تحتاج إلى حلول علمية لا نماذج جاهزة.
عملياً، التعليم عملية ذات اتجاه واحد: معلم وسبورة أمام طلاب على مقاعدهم، حيث تنتقل المعلومة من المعلم إلى التلاميذ في حيز زمني متفاوت للشرح والتعليق والمساءلة. هذا هو التلقين في إحدى صوره.
التعلّم: شبكة متعددة الاتجاهات
على النقيض تماماً، التعلّم عملية متعددة الاتجاهات، حيث تتبادل المعارف والعلوم وتنتقل بين الأطراف كافة وتُطبَّق وفق ما يقتضيه الواقع والمصلحة. وهو استمرار لإعمال العقل في العملية التعليمية، والاستفادة من مخرجاتها وتوظيفها في خدمة المجتمع.
تتبع بعض المقررات الأكاديمية أسلوب الحوار العلمي فيما يُعرف بـ«السيمنار» — وهي حصة دراسية للدراسات المتقدمة يجتمع فيها الطلاب بانتظام لمناقشة الأبحاث الأصلية بإشراف أستاذ المادة. ورغم ارتباط فكرة السيمنار بالدراسة الجامعية، فإن جذورها تمتد إلى الحوارات والمناظرات الأدبية التي كانت ولا تزال تجري في بعض المنتديات الثقافية.
تفعيل مفهوم السيمنار في الحقول المعرفية ذات المنحى الفكري العام كالآداب والعلوم الإنسانية، على مستوى التعليم ما قبل الجامعي، من شأنه أن يزوّد الطلاب بأسس منهجية للتفكير وأساليب للتعلم تفيدهم في دراساتهم المستقبلية وحياتهم العملية.
التعليم في المملكة بين الخبرات والتحديات
بطبيعة الحال، التعليم في أي بلد هو جزء من رؤى تنموية شاملة، ما يعني ارتباطه بخطط تنموية وكوادر بشرية وهياكل إدارية للتنفيذ. وقد راكمت المملكة العربية السعودية على مدى العقود الماضية خبرات كبيرة في هذا المجال. ويُعد التعليم الخاص بمستوياته كافة رافداً مهماً لمخرجات التعليم. ويظل التوفيق بين التعليم الخاص والعام في جميع المراحل مطلباً اجتماعياً قبل أن يكون نهجاً حكومياً.





