الرئيسيةكتاب و آراءثلاثون متخصصاً يقفون على أعتاب حياة...
كتاب و آراء

ثلاثون متخصصاً يقفون على أعتاب حياة الإنسان المعاصر

02/09/2026 13:37

تأملتُ في مشهد الحياة الحديثة وأنا أستذكر ذلك الموقف: عشرات الخبراء يقفون على أبوابها، كل منهم يسعى لنيل مساحة في يوم المرء وجسده وطعامه وأطفاله وعمله وعلاقاته ومستقبله. لقد منحتنا التخصصات معرفة عميقة وفوائد جليلة، لكن صناعة المحتوى وسعت نطاق كل تخصص في حياة الناس؛ إذ يزداد حضور الخبير كلما أقنع الجمهور بأن قضيته هي الأخطر والأكثر إلحاحاً.

غزو التخصصات للحياة اليومية

فالمهتم بالمكملات الغذائية والفيتامينات يصور الجسد كبناء مهدد بالانهيار، ويجعل كل إرهاق رسالة نقص، وكل خمول إنذاراً، وكل تغير في المزاج طلباً عاجلاً لعلبة جديدة. ومدرب الرياضة يحول يوم الراحة إلى بداية للضمور، حتى تتحول الحركة التي تمنح الجسد عافيته إلى مهمة شاقة، وتصبح الساعة الذكية مديراً قاسياً يحاسب صاحبها على خطواته ونبضه ونومه.

ويأتي الخطاب الطبي فيضع أجهزة القياس على طاولة البيت؛ فكل صداع له قراءة، وكل وجبة لها منحنى بياني، وكل تحليل يحمل حمولة نفسية تتجاوز وظيفته الطبية. ثم يدخل أخصائي التغذية إلى المائدة، فتصبح اللقمة كربوهيدرات ودهون ومؤشر سكري ونافذة أكل، وتفقد المائدة براءتها ومعناها الأول: رزق طيب يؤكل بقدر، ويورث شكراً وعافية.

التخصصات تمتد إلى العمل والتربية

ويصل مستشار الأعمال، فيحول العمر إلى شركة، والعلاقات إلى شبكة مصالح، والهواية إلى فرصة استثمارية، والراحة إلى شعور بالذنب. ويدخل المتخصص في التربية البيت بقاموس واسع من الاحتمالات النفسية، فيصبح الوالدان مراقبين لأبوتهما أكثر من كونهما أبوين، ويغدو الطفل مشروعاً يجري قياسه، عوضاً عن روح تنمو بالمحبة والقدوة والزمن. وهكذا يصبح الإنسان غنيمة تتنازعها التخصصات. كل متخصص يحمل جزءاً من الحقيقة، ثم تعرض صناعة المحتوى ذلك الجزء في حجم الحقيقة كلها، فيعيش الفرد بين عشرات الإنذارات، يراقب جسده، ويحلل علاقاته، ويفحص نومه، ويحاسب طعامه، ويتعقب مزاجه، حتى يغدو وعيه عبئاً على حياته.

الاقتصاد كسبيل للنجاة

وتختصر العبارة المنسوبة إلى دوستويفسكي هذا المأزق – على قسوتها: «شدة الإدراك لعنة» والنجاة في كلمة واحدة: الاقتصاد. الاقتصاد خُلُق في العيش، وحكمة تمنح كل شيء قدره: حركة منتظمة، وطعام طيب بقدر، وفحوص تناسب العمر والحاجة، وتربية قوامها المحبة والقدوة والحزم الرحيم، وعمل جاد يعقبه سكون، واستشارة تضيء الطريق وتبقي القرار لصاحبه. ويبدأ الاقتصاد باسترداد الإنسان حقه في ترتيب مصادر القلق: يميز بين عرض يستحق الفحص وإحساس عابر، وبين نصيحة نافعة وضجيج يتغذى من المتابعة. يجعل لكل شأن وقتاً وحداً، ويختار مرجعاً موثوقاً عوضاً عن مواكبة المقاطع، ويغلق باب الاستشارة بعد اكتمال غرضها، ثم يترك لجسده مساحة العافية الفطرية، ولأبنائه فسحة النمو، وليومه قدراً من العفوية.

فالسكينة ثمرة عقل يضع انتباهه في موضعه، ويترك سائر الأشياء تمر في هدوء. ولا مشكلة في الاستماع للمتخصصين، لكن استحضر ما ذكرته لك وامنح كل صوت حجمه الطبيعي؛ فالمتخصص يرى الحياة من نافذة واحدة، وأنت وحدك تسكن البيت كله. خذ من الخبير مصباحاً، وأبق المقود في يدك، ثم امض بخفة وسلام؛ والسلام.