الرئيسيةكتاب و آراءالسفر ليس هروباً من الهموم بل...
كتاب و آراء

السفر ليس هروباً من الهموم بل مرآة تعكس ما بداخلنا

02/09/2026 11:02

يظن الإنسان المعاصر أن تغيير المكان هو مجرد رحلة شعرية، لكنه في حقيقة الأمر مشروع نجاة عاجل، وليس مجرد نزهة للترفيه. إنها محاولة أخيرة لاستعادة بعض الاتزان قبل أن يرفع العقل رايته البيضاء ويعلن استسلامه أمام أعباء الحياة اليومية.

الهموم لا تحتاج إلى جواز سفر

غير أن المشكلة تبدأ من الفكرة نفسها. فنحن ننظر إلى تغيير الجو وكأن المتاعب موظفون يلتزمون بقوانين الهجرة، سيقفون بأدب على حدود المطار ولن يسمح لهم بتجاوزها إلى الوجهة الأخرى. لذلك نملأ حقائبنا بحماس، نضع فيها الملابس ثم نضيف فوقها ضغوط العمل، والمخاوف المستقبلية، وديوننا المتراكمة، ومشاكل الكولسترول، وبعض الخلافات العائلية، وربما أزمة منتصف العمر إن وجد مساحة في الحقيبة. ثم نغلق السحاب بإحكام وننطلق معتقدين أننا تركنا كل شيء وراءنا. لكننا ما إن نصل إلى منتجع أنيق يطل على بحر فيروزي حتى نكتشف الحقيقة الموجعة: همومنا وصلت قبلنا. نجلس أمام مشهد خلاب بينما أبصارنا مشدودة إلى شاشة الهاتف. نأكل أطباقاً لا نعرف أسماءها، لكننا نستطيع الرد على رسائل “واتساب” في أقل من نصف دقيقة، وكأن الكون سينهار إذا تأخر الرد قليلاً. فأي تغيير جو هذا ونحن لم نغير سوى موقع إقامتنا؟

توثيق الهروب بدلاً من الاستمتاع به

والأكثر طرافة أننا لا نكتفي بحمل متاعبنا معنا، بل نصر على تسجيل لحظات الهروب منها خطوة بخطوة. فبمجرد أن تلمس أقدامنا الشاطئ تنشغل أيادينا بالهاتف أكثر من انشغالها بالبحر. نلتقط صوراً للغروب، ليس لأننا نريد أن نتذكره، بل لأننا نريد أن يرى الآخرون أننا رأيناه. وكأن الغروب لا يصبح جميلاً إلا إذا حصل على عدد كافٍ من الإعجابات، وكأن الراحة لا تقاس بسكينة القلب بل بعدد المشاهدات على “الستوري”. نحن لا نعيش اللحظة… نحن نمثلها أمام الجمهور.

إجازة تزيد التعب ولا تخففه

لهذا يعود كثيرون من العطلة وهم أكثر إرهاقاً مما كانوا قبلها. نفس القلق… لكن بإطلالة بحرية. نفس الوحدة… لكن في جناح فندقي. نفس الأسئلة التي كانت ترن في رأسك في منزلك، تحجز مقعداً بجانبك على الطائرة، وتستدير إليك بعد الإقلاع لتسألك: “هل تحسنت الآن؟” لأن المشكلة لم تكن يوماً في المدينة التي تعيش فيها، بل في العقل الذي تحمله معك أينما ذهبت. إن تغيير الجو الحقيقي لا يتحقق بقطع آلاف الكيلومترات، بل بقطع الحبل الوهمي الذي نلفه حول أعناقنا بأنفسنا ثم نشكو أنه يخنقنا. وهو أن تتوقف عن الاعتقاد بأن السعادة هي تذكرة سفر، أو ختم في جواز، أو تأشيرة شنغن، أو غرفة تطل على البحر. السعادة ـ رغم فقرها المدقع ـ لا تحتاج إلى فيزا، ولا إلى صالة رجال أعمال، ولا إلى حقيبة سفر. إنها قرار داخلي، متاح للجميع، لكننا نؤجل اكتشافه لأنه أقل إثارة من حجز رحلة، وأصعب من شراء تذكرة. لقد حان الوقت لنفهم أن السعادة ليست وجهة نصل إليها، بل أسلوب نعيش به. وأن الهموم ليست أمتعة مفروضة علينا، بل أوزان نختار كل صباح أن نحملها… أو أن نضعها أرضاً.