عندما يتحول العمل إلى مفاوضات دائمة: رحلة الموظف بين المطالب والإنجازات الوهمية

يطمح الموظف إلى راتب متكامل، وتأمين صحي من الدرجة الأولى، وترقية سنوية، ومكافآت سخية، وإجازات مرنة، ومدير يتفهم ظروفه، وبيئة عمل محفزة. لكن عندما يُطلب منه إنجاز مهمة محددة، تبدأ جولة جديدة من المساومات، وكأن الطلب بند إضافي لم يرد في العقد الأصلي.
التقرير اليومي: مهمة أشبه ببناء جسر
تقول له: أرسل التقرير اليوم. فيرد مستفسراً: «اليوم؟» نعم، اليوم. لا أدري لماذا ينطق الكلمة وكأنني طلبت منه بناء جسر يربط بين الرياض وجدة قبل غروب الشمس.
«مو شغلي»: الموسوعة التي لا تنتهي
ثم هناك الموظف الذي يحفظ عن ظهر قلب عبارة «مو شغلي». لا يعرف على وجه الدقة ما هي مهامه، لكنه يعرف بتفصيل دقيق كل ما ليس من مسؤولياته. فإذا تعطلت الطابعة أمامه، قد يمضي بقية حياته دون طباعة، منتظراً تحديد المسؤول رسمياً وتشكيل لجنة مختصة.
الحضور إنجاز بحد ذاته
وفئة تعتبر مجرد الحضور إلى المكتب إنجازاً مستقلاً. يصل الموظف فيشعر أن أصعب جزء من يومه قد انتهى. يبدأ بفنجان قهوة، ثم فطور، ثم جولة اجتماعية، ثم تصفح البريد الإلكتروني. وعند الساعة 11:30 يبدأ الاستعداد النفسي لوجبة الغداء. وبعد الغداء تبدأ مرحلة «خلاص اليوم راح».
الاجتماعات: ملاذ الإنتاجية الوهمية
أما الاجتماعات فهي الملاذ الآمن للإنتاجية الوهمية. نجتمع لنعرف لماذا لم ننجز المهام، فنقرر عقد اجتماع آخر لمتابعة عدم الإنجاز، ثم نكتب في التقرير الأسبوعي بكل ثقة: «تمت مناقشة الموضوع».
الاستغلال والتنمر والضغط النفسي
والأجمل أن بعض الموظفين يعتبر أي طلب إضافي استغلالاً، وأي ملاحظة تنمراً، وأي متابعة ضغطاً نفسياً، وأي موعد تسليم بيئة عمل سامة. لكن عندما يتأخر الراتب ساعتين فقط، يستيقظ داخله خبير أنظمة العمل وحقوق الإنسان.
المهنية الحقيقية
المهنية ليست بدلة أنيقة، ولا جهاز لابتوب حديث، ولا عبارات «Kindly» و«Best Regards». المهنية ببساطة أن تؤدي عملك دون أن تحتاج المؤسسة إلى ملاحقتك لإنجاز المهمة التي وُظفت من أجلها أصلاً.
التوازن بين العمل والحياة: إلغاء العمل
في النهاية، المشكلة أن بعضنا يبحث عن وظيفة تحقق التوازن بين العمل والحياة، ثم اكتشفنا أنه حقق هذا التوازن بطريقة مبتكرة جداً: ألغى العمل تماماً.





