الرئيسية›اقتصاد›الذهب المصري يجذب استثمارات سعودية.. مصفاة...
اقتصاد

الذهب المصري يجذب استثمارات سعودية.. مصفاة الذهب تبحث عن فرص في الدرع النوبي

02/10/2026 19:05

لا تقتصر الاستثمارات العابرة للحدود على مجرد نقل رأس المال بين الأسواق، بل إن بعضها ينطلق من خبرات متراكمة في بيئة جيولوجية معينة، ليبحث عن امتدادها الطبيعي في أراضٍ أخرى. وهذا هو جوهر تحرك شركة «مصفاة الذهب السعودية» نحو قطاع التعدين في مصر، الذي يتجاوز كونه مجرد إعلان عن نية شركة سعودية للحصول على تراخيص خارج حدودها، ليصبح خطوة عملية نحو تكامل تعديني واستثماري يعبر البحر الأحمر.

الدرع العربي-النوبي: توأمة جيولوجية تجمع الضفتين

تشترك مصر والسعودية في نطاق جيولوجي بالغ الأهمية يُعرف بالدرع العربي-النوبي، حيث يمثل الدرع العربي في غرب السعودية والدرع النوبي في الصحراء الشرقية المصرية امتدادين لنظام جيولوجي واحد، ارتبطت تكويناته بوجود الذهب والنحاس ومعادن أخرى. ولم يقتصر هذا الامتداد الجيولوجي على كونه خلفية علمية، بل حضر في صميم النسخة الخامسة من منتدى مصر للتعدين 2026، الذي عُقد في 28 و29 سبتمبر تحت شعار «إطلاق الإمكانات الاستكشافية لمصر والدرع العربي النوبي»، مما يعكس الرهان على تحويل الجيولوجيا إلى فرص استثمارية واقتصادية.

وانتقل هذا المعنى من الجيولوجيا إلى طاولة التعاون الثنائي، حيث بحث وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي مع نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي لشؤون التعدين خالد المديفر، على هامش المنتدى، تعزيز التعاون في التدريب وتبادل الخبرات التعدينية، استناداً إلى المقومات الجيولوجية المشتركة بين البلدين ضمن نطاق الدرع العربي-النوبي.

مصفاة الذهب السعودية: من الخبرة المحلية إلى التوسع في مصر

لا تدخل مصفاة الذهب السعودية السوق المصرية من الصفر؛ فالشركة تعمل داخل السعودية في سلسلة تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى التكرير والتصنيع والخدمات المرتبطة بها، ويمتد نشاطها إلى نحو 40 رخصة تعدينية، وفق تصريحات رئيس مجلس إدارتها سليمان العثيم. والآن تتجه هذه الخبرة إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر، حيث تقدمت الشركة للحصول على سبع رخص تعدينية في مصر، مع تركيز توسعها على الذهب والنحاس، وأعلنت استهداف استثمار يصل إلى نحو 200 مليون دولار في أعمال الاستكشاف والتعدين في السوق المصرية بحلول 2030. وكانت الشركة قد تحدثت في وقت سابق عن نحو 10 ملايين دولار كاستثمارات أولية لأعمال الاستكشاف، ترتفع تدريجياً حال الانتقال إلى مراحل الإنتاج والتصنيع. وفي تصريح آخر خلال المنتدى، أعلنت الشركة أنها تخطط لإنتاج نحو 500 ألف أونصة من الذهب في السعودية بحلول 2030.

وهنا يجب التوقف أمام فارق جوهري في صناعة التعدين: فالحصول على رخصة استكشاف لا يعني وجود منجم اقتصادي جاهز للإنتاج؛ وبين أول عينة صخرية وأول سبيكة ذهب سلسلة طويلة من المسوحات والحفر والتحاليل، وتقدير الموارد والاحتياطيات، ودراسات الجدوى، ثم التمويل والتطوير. لذلك فإن الحديث عن سبع رخص مصرية ينبغي أن يُقرأ باعتباره سبع فرص تعدينية واستكشافية محتملة، لا سبعة مناجم مكتشفة. وهذا التمييز ليس لغوياً فحسب، بل اقتصادي؛ لأن قيمة الأصل التعديني تتغير جذرياً كلما انتقل من احتمال جيولوجي إلى مورد، ثم إلى احتياطي قابل للاستخراج اقتصادياً، ثم مشروع قابل للتمويل، وأخيراً إلى منجم منتج.

مصر تفتح أبواب التعدين أمام المنافسة العالمية

تأتي الخطوة السعودية في توقيت يشهد فيه قطاع التعدين المصري تحولاً في طريقة طرح الفرص أمام المستثمرين. فمنذ إطلاق نظام طرح القطاعات التعدينية بنظام المناطق المفتوحة في 10 يونيو 2026، تقدمت 119 شركة، من بينها أكثر من 14 شركة أجنبية، بإجمالي 403 عروض على 118 قطاعاً من أصل 335 قطاعاً مطروحاً، تمتد على مساحة تقارب 45 ألف كيلومتر مربع. وتشمل قائمة الدول التي جاءت منها الشركات الأجنبية أستراليا والمملكة المتحدة وكندا والسعودية وتركيا وجنوب أفريقيا والهند والصين. وهذا يعني أن مصفاة الذهب السعودية لا تدخل سوقاً خالية من المنافسة، وإنما ساحة تستقطب شركات وخبرات ورؤوس أموال دولية. وهنا تظهر أهمية الخبرة الفنية والقدرة التمويلية وطول النفس الاستثماري؛ فالتعدين ليس نشاطاً سريع العائد، بل صناعة قد تستهلك سنوات من الإنفاق قبل أن يتضح ما إذا كان المورد الجيولوجي قابلاً للتحول إلى احتياطي اقتصادي ومنجم منتج.

ويمثل منجم السكري النموذج الأكثر حضوراً عند الحديث عن ذهب مصر؛ إذ بلغ إجمالي إنتاجه نحو 6.8 مليون أوقية منذ بدء الإنتاج في يونيو 2009. ومن هنا تكتسب طموحات الشركة السعودية أهميتها، لكن ينبغي الفصل بين الطموح الجيولوجي والنتيجة التجارية؛ فما ستكشفه الحفارات هو الذي سيحدد في النهاية إن كانت المناطق المستهدفة تحمل مشروعات كبيرة، أم موارد أصغر، أم أنها لن تتجاوز مرحلة الاستكشاف. فالجيولوجيا الواعدة لا تصنع منجماً بمفردها؛ هناك مخاطر الاستكشاف، وكلفة الحفر والتطوير، والحاجة إلى الطاقة والمياه والطرق والخدمات، فضلاً عن أسعار الذهب وتكاليف التشغيل والتمويل والاشتراطات البيئية والتنظيمية. لكن هذه المخاطر نفسها تفسر القيمة الكبيرة التي قد يحققها اكتشاف ناجح.

من الاستكشاف إلى الطرح المالي: طموحات الشركة السعودية

والتوسع الجغرافي للشركة لا ينفصل عن استعدادها لدخول السوق المالية السعودية. فبحسب تصريحات سابقة لرئيس مجلس إدارتها، تخطط الشركة لطرح نحو 30% من أسهمها خلال الفترة من 2028 إلى 2030، مع استهداف امتلاك مخزون يتراوح بين 5 و10 ملايين أونصة من الذهب قبل الطرح. وتشير تصريحات أحدث إلى استهداف عامي 2028 أو 2029 للطرح. وإذا نجحت الشركة في زيادة قاعدة مواردها واحتياطياتها وإضافة مناجم منتجة، فإن ما سيُعرض على المستثمر مستقبلاً لن يكون مجرد نشاط لتكرير الذهب وتصنيعه، بل شركة تمتلك محفظة من الأصول التعدينية داخل السعودية وخارجها. وهنا يصبح الاستكشاف في مصر جزءاً محتملاً من قصة القيمة المستقبلية للشركة، وليس مجرد توسع جغرافي.

المغزى الاقتصادي الأوسع أن نجاح شركة تعدين سعودية في بناء أصول خارجية ينسجم مع مسار تنويع الاقتصاد وتوسيع دور القطاع الخاص. فالمستهدف الرسمي لرؤية السعودية 2030 هو وصول مساهمة القطاع الخاص إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، بعدما بلغت القيمة الفعلية 51% في 2025. ولا تقتصر القيمة المحتملة للتوسع الخارجي على أرباح شركة واحدة؛ فنجاح الشركات السعودية في أسواق التعدين الإقليمية يمكن أن يفتح أبواباً أمام شركات الخدمات الجيولوجية والهندسية والتقنية واللوجستية والتمويلية، ويحوّل المعرفة والخبرة المتراكمة محلياً إلى خدمات وقدرات قابلة للتصدير. كما أن إدراج شركة تعدين بعد بناء قاعدة أوسع من الأصول والاحتياطيات يمكن أن يضيف إلى السوق المالية السعودية نشاطاً مرتبطاً بقطاع غير نفطي وبأصول تمتد جغرافياً إلى أسواق أخرى.

وهنا ربما تكمن الزاوية الأهم في القصة. فعلى الضفة الشرقية للبحر الأحمر، تتوسع صناعة التعدين السعودية وتراكم شركاتها المعرفة ورأس المال والخبرة. وعلى الضفة الغربية، تفتح مصر مساحات جديدة للاستكشاف داخل صحرائها الشرقية، وتسعى إلى جذب رأس المال والتكنولوجيا والخبرات الدولية. وبين الضفتين يمتد نطاق جيولوجي مشترك: الدرع العربي-النوبي. وإذا أثبتت عمليات الحفر والاستكشاف المقبلة وجود احتياطيات تجارية كبيرة، فلن تكون القصة مجرد شركة سعودية تبحث عن الذهب في مصر، بل نموذجاً أوسع للتكامل الاقتصادي: رأس مال وخبرة سعوديان، وفرص وموارد جيولوجية مصرية، وسلسلة قيمة تبدأ من الاستكشاف والحفر، وتمر بالتعدين والخدمات والتكرير والتصنيع، وقد تصل إلى التمويل والاستثمار وأسواق المال. عندها يصبح البحر الأحمر أقل من أن يكون فاصلاً بين اقتصادين، وأكثر من أن يكون مجرد ممر ملاحي؛ يصبح جسراً بين فرصتين، يجمعهما تحت الأرض امتداد جيولوجي واحد، وفوقها مصلحة اقتصادية مشتركة.