تأملات في القيادة من قصة ضمام بن ثعلبة

في مشهد تاريخي بسيط لكنه عميق الدلالة، دخل الصحابي ضمام بن ثعلبة مجلساً يبحث فيه عن أعظم إنسان وطئت قدماه الأرض، النبي محمد صلى الله عليه وسلم. لم يجد ضمام في ذلك المجلس أي مظاهر للسلطة أو الامتياز؛ لم تكن هناك مقاعد ترتب الناس حسب مكانتهم، ولا حجاب يفصل بين القائد وأتباعه، ولا حاشية تمهد الطريق. كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه كواحد منهم في الهيئة، لكنه سيدهم في الحقيقة.
اضطر الغريب إلى أن يسأل: “أيُّكم محمد؟” هذا السؤال يحمل في طياته فلسفة كاملة عن القيادة. فالقيمة الحقيقية للقائد تنبع من ذاته، لا من المظاهر المحيطة به. هيبته صاغها الوحي وزكاها الخلق، وملأت النفوس قبل أن تملأ العيون. ويشير ذلك إلى قوله تعالى: “وإنك لعلى خلق عظيم”، وقد اختصرت السيدة عائشة رضي الله عنها هذا الكمال بقولها: “كان خلقه القرآن”.
فلسفة السلطة والتواضع
يكشف سؤال ضمام عن علاقة عميقة بين القائد ومنصبه. فالرجل الكبير يحمل المنصب كأمانة، يزداد به مسؤولية ويقترب به من حاجات الناس. أما النفس التي تنتظر من الكرسي أن يمنحها قيمة، فإنها تحول المنصب إلى تعويض داخلي، وتكثر حوله المظاهر والبروتوكولات، وتستدعي من مظاهر التعظيم ما يقنعها بحجمها قبل أن يقنع الآخرين.
هنا يصبح المنصب مرآة تعكس ما في أعماق صاحبه: امتلاء أو خواء، ثقة أو قلقاً، نضجاً أو جوعاً إلى الاعتراف. ومن أصدق العلامات على ذلك أن يضيق المسؤول بمن يناديه باسمه مجرداً من لقبه، كأن الاسم الذي صحبه عمره لم يعد صالحاً للتعريف به. يتحول اللقب من وصف وظيفي إلى غذاء نفسي، ويصبح سقوطه من النداء خدشاً في صورة الذات.
الهيبة الحقيقية والهالة المصطنعة
الواثق يسمع اسمه فيأنس بإنسانيته، والقلق يتشبث بلقبه مخافة أن يعود في أعين الناس إلى حجمه الحقيقي. كلما خف رصيد المسؤول من الإنجاز، ثقلت حاجته إلى الزينة: موكب يسبقه، وأصوات تعلن قدومه، وأيد تفسح له الطريق. صاحب الأثر يدخل إنجازه قبله، وصاحب الفراغ يبعث الآخرين أمامه ليخبروا الناس بمكانته. الأول تتحدث عنه أعماله وهو صامت، والآخر يعلو الضجيج حوله كيلا يسمع صمت سجله.
للهالة صُناع ينتفعون بها. فبعض المحيطين بالمسؤول يحرصون على تكبير صورته، لأنهم يكبرون في أطرافها؛ ويوسعون المسافة بينه وبين الناس، لأن نفوذهم يسكن تلك المسافة. يصنعون الحواجز باسمه، ويقيمون الطقوس حوله، ثم يوهمونه أن ذلك من تمام الهيبة وحفظ المقام. وقد تنمو هذه المظاهر وهو عنها غافل.
يقظة المسؤول ودروس للقادة
من هنا تصبح يقظة المسؤول باباً من أبواب التواضع؛ يراجع ما يصنع باسمه، ويفكك الامتيازات التي تتكاثر حول كرسيه، ويفتح الطريق الذي تحاول الحاشية إغلاقه. فالحاشية قد تحرس مكانتها وهي تزعم أنها تحرس هيبته، وقد تعزل المسؤول عن الحقيقة تحت ستار توقيره، حتى لا يسمع من مؤسسته إلا الصدى الذي صنعته له. الهيبة الأصيلة يصنعها العدل، ويحرسها الإنجاز، ويعمقها التفاني. أما الهيبة المصنوعة فتأكل من روح المؤسسة لتغذي صورة فرد، وتستهلك طاقة العمل في ترتيب دخوله وتلميع حضوره.
وفي هذا السياق، يجسد العهد الزاهر في المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان نموذجاً لترسيخ ثقافة العمل والإنجاز والكفاءة. فالموقع ميدان خدمة، والسلطة أمانة، وقيمة المسؤول تقرأ في حياة الناس، وفي المشروعات التي أنجزها، وفي الأبواب التي فتحها، وفي الأثر الذي يبقى حياً بعد أن يغادر الكرسي.
“أيُّكم محمد؟” سؤال جدير بأن يعلقه كل مسؤول على باب قلبه: بأي شيء يعرفني الناس؟ بما حولي أم بما صدر عني؟ بالهالة التي تسبق مجيئي أم بالخدمة التي تبقى بعدي؟ باللقب الذي يجاور اسمي أم بالأثر الذي يخلد عملي؟





