الرئيسية›كتاب و آراء›جدة من الميناء إلى الإحياء… ثلاث...
كتاب و آراء

جدة من الميناء إلى الإحياء… ثلاث محطات في حكاية وطن

25/09/2026 15:11

ما يلفت في جدة هو الحكاية الكامنة وراء المشهد؛ إذ يثير التساؤل كيف يستطيع قرارٌ واحد أن يترك أثراً يمتد عبر قرون، وأن يعيد تشكيل علاقة المدينة بالعالم وبالحياة وبمستقبلها.

ميناءٌ يفتح المدينة على العالم

في العام 26 للهجرة، اتخذ الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه قراراً جعل جدة ميناءً لمكة المكرمة. ومنذ ذلك القرار، تثبّت دورها بوابةً للحجاج والتجار؛ فقد تدفقت إلى مرساها لغاتٌ ومعارفُ وحِرفٌ من جهات بعيدة، وحملت السفن إلى شاطئها أناساً بتنوّعهم وثقافاتهم ومهنهم. وهكذا تشكّلت مدينةٌ عرفت العالم وعرفها العالم.

الماء العذب… مفتاح التوسع العمراني

بعد قرون، وقفت جدة أمام تحدٍّ مختلف هو الماء؛ فالبحر كان حاضراً أمامها، لكن المياه العذبة ظلّت نادرة. وفي هذا السياق، أمر الملك عبدالعزيز رحمه الله بمشروع العين العزيزية، لتصل المياه إلى جدة عام 1367هـ. ولم يكن المشروع مجرد معالجة لمشقة معيشية يومية؛ إذ مع اتساع الإمداد حتى عام 1950 وما بعده، تحوّل الماء إلى أحد العوامل التي سمحت للمدينة بتجاوز حدودها القديمة، وامتداد عمرانها، واستقرار الحياة في أحيائها الجديدة. وكثيراً ما يبدأ التحوّل الكبير من أمرٍ يبدو بسيطاً في ظاهره، مثل وصول الماء حيث يحتاجه الناس؛ فما نراه اليوم من بديهيات الحياة كان يوماً يشكّل فرحةً لمدينةٍ بأكملها.

الإحياء… حين يبقى الماضي حاضراً في المستقبل

وفي عام 2021م، أطلق سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله مشروع «إعادة إحياء جدة التاريخية». وهنا يتوقف المرء عند معنى الإحياء؛ فالروشان المحفوظ لا يكفي أن تبقى أخشابه سليمة إذا غابت الحياة من خلفه، والحارة لا تحفظها الذاكرة وحدها بل يحفظها الناس والعمل والحرفة، والقدرة على إبقاء الماضي حاضراً في مستقبل المدينة.

الميناء والماء والإحياء ثلاث محطات مختلفة، تجمعها حقيقة أن أثر القرار الحقيقي لا يُقاس بلحظة اتخاذه، بل بما يفتحه من حياةٍ تتوالد بعده.

وفي اليوم الوطني، تمتد الحكاية من جدة إلى الوطن كله؛ نفخر بالمملكة بوحدتها وقيادتها وبما صنعه أبناؤها عبر الأجيال، ونستحضر أن لكل جيلٍ نصيباً من المسؤولية: أن يحفظ، وأن يبني، وأن يترك لمن بعده ما يستحق أن يُكمل.

نسأل الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وشعبها، وكل عامٍ ووطننا بخير.

بقلم جميل بن حسن غزنوي، الرئيس التنفيذي لشركة تطوير البلد (@Jamil_Ghaznawi).