إعادة الاعتبار للثقافة الفكرية.. ضرورة لمواكبة العصر

لا تُعتبر الثقافة الشعبية ميزةً حصريةً للمجتمعات ولا دليلاً على تقدم الدولة، فكل مجتمع يمتلك هذا النمط من الثقافة الذي لم يُصدَّر منه شيءٌ إلى الأمم الأخرى ولم تحقق منه فائدة مادية تُذكر. وحتى أولئك الذين يدعون إلى إحيائها لم يوضحوا كيف يمكن أن تصبح معلماً بارزاً يبعث على التفوق أو الإنتاج، على عكس الثقافة الفكرية التي تبادلتها الأمم فيما بينها، كما استفاد المسلمون من الموروث اليوناني، واستفاد الغرب من الإرث الفكري الإسلامي. ومن الأمثلة على ذلك مؤلفات المغرب العربي في الفكر والفلسفة، التي انتقلت إلينا وإلى أوروبا وتُرجمت هناك بشكل أوسع من ثقافتهم الشعبية، ولا أعرف بلداً برز بثقافته الشعبية وحدها.
إحياء الثقافة الفكرية عبر المثقف والإعلام
لذا فإن إحياء الثقافة الفكرية يستلزم إعادة الاعتبار للمثقف، وذلك بإزالة الانتقادات الهزيلة التي تُوجَّه إليه، كالقول إنه يتحدث من برجه العاجي، أو مقارنته بأصحاب الطرح الشعبي من حيث طريقة العرض. كما يتطلب ذلك إنشاء منصات إلكترونية متخصصة في تقديم الثقافة الفكرية بشكل مبسط، خلافاً للبرامج الفلسفية المعمقة الموجودة حالياً في بعض القنوات الفضائية، لأن الإعلام – وبخاصة القنوات الفضائية – هو المنصة الأولى للثقافة إن لم تكن الوحيدة. ففي بعض القنوات برامج موغلة في الفلسفة لا يستفيد منها إلا المتخصصون، الذين قد يجدون ما يبحثون عنه في قنوات أخرى. والأولى أن تُقدَّم الثقافة الفكرية بشكل مبسَّط، وأن تُعرض ضمن برامج اجتماعية أو سياسية أو دينية أو أسرية تمتزج بها، كما كان الحال سابقاً. وكذلك تناول القضايا الاجتماعية والأسرية ومعالجتها، فهذا من شأنه رفع مستوى الطرح الفكري، وفي الوقت نفسه يقدم حلولاً في هذه المجالات لأنها ذات بنية فكرية.
استضافة المفكرين المحليين وتوجيه البرامج
ينبغي أيضاً استضافة المفكرين من أبناء البلد بدرجة أكبر مما هو حاصل الآن، فبعض القنوات تكثر من استضافة آخرين من بلدان أخرى، رغم عدم وجود إضافة لديهم تفوق ما لدى مفكري هذا البلد، وفي الوقت نفسه لا توجد استضافة عكسية لمفكرينا في تلك القنوات. وهذا الأمر لم يكن موجوداً في السابق، وكأنه لا يوجد مثقفون مفكرون عندنا. وبعض تلك الاستضافات تتناول أحداثاً سياسية قديمة في بلدان أخرى لا تهم المشاهد كثيراً، فلا بد من إعادة توجيه هذه البرامج بالشكل الصحيح.
مواجهة ظاهرة التذاكي الصناعي في الكتابة
وأخيراً، لابد من تمييز المتذاكين صناعياً عن غيرهم – وهؤلاء، إن صحت هذه التسمية، هم من يستخدمون الذكاء الاصطناعي في كتابة الأبحاث والمقالات – وفرز مقالاتهم عن غيرها باستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، وإيجاد حلول لمحاربة هذه الظاهرة لأنها من شأنها أن تزيل الثقافة الفردية. وهذا لا يعني عدم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، لكن لا ينبغي كتابة المقالات باستخدامه فقط، لأن ذلك يشبه السرقة الفكرية.





