بيان نقدي للحداثة الغربية وتأثيراتها على العالم العربي

البيان ضد الحداثة الغربية
أؤكد أن هذا النص ينتقد الحداثة الغربية من جهة سلبياته، مع الاعتراف بجوانبها الإيجابية؛ فنحن نمتلك حداثة بدوية نعيشها بمزيج من الإيجابيات والسلبيات. نشأت حداثتهم من المصانع على الأرض، بينما نشأت حداثتنا من مقاومة البدوي للهيمنة العثمانية لفترة طويلة وللاستعمار الغربي لعقود في بلداننا العربية. وبالتالي كان الغربيون أكثر صلابة في حداثتهم، ونحن أكثر صلابة في بدوتنا المقاومة، والكمال المطلق يختص بالله وحده.
للحديث عن الواقع الراهن، نؤكد أن الميليشيات الطائفية المسلحة بأنواعها السنية والشيعية المنتشرة في العالم العربي هي نتاج للحداثة، بينما يبقى الإسلام بريئاً من ذلك حتى على مستوى الفقه. كان سير فقه الإسلام قبل الحداثة يتوافق مع ظروف عصره في إطار التوسع الإمبراطوري بين دار الحرب ودار الإسلام، تماماً كما يسير الفقه الكهنوتي للمسيحية في نفس الإطار.
«كان عدد الروم المحاصِرين لها نحو أربعين ألفاً بين فارس وراجل، فقتلوا عامة أهلها وسبوا ما فيها من حُرَم المسلمين وذراريهم مما لا يحصى كثرة، وذكروا أنهم اختاروا من أبكار سبيها وأهل الحسن فيهن خمسة آلاف جارية أهدوهن إلى صاحب القسطنطينة، وهو ملكهم الأكبر، وجدوا فيها من الأموال والأمتعة ما يُعجز عن وصفه كثرة، والأمر لله من قبل وبعد»
المصدر: أبو العباس أحمد بن محمد بن عذاري، كتاب «البيان المُغرِب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب»، المجلد الثاني، صفحة 480، دار الغرب الإسلامي، تونس، الطبعة الأولى، 2013.
الجزية، الرق والهوية الحداثية
يُعتبر السبي والرق من ممارسات ثقافية عالمية سابقة على عام 1117م، واستمر ذلك حتى اعتماد اتفاقية الرق الدولية عام 1926 من قبل عصبة الأمم، ثم تأكدت مكانتها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 لتصبح قانوناً دولياً ملزماً في القرن العشرين.
«ليست من مستحدثات الإسلام، بل هي قديمة من أول عهد التمدن القديم، وقد وضعها يونان أثينا على سكان سواحل آسيا الصغرى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، مقابل حمايتهم من هجمات الفينيقيين… فهان على سكان تلك السواحل دفع المال في مقابل حماية الرؤوس، والرومان وضعوا الجزية على الأمم التي أخضعوها، وكانت أكثر كثيراً مما وضعه المسلمون بعدئذ، فإن الرومان لما فتحوا غاليا/فرنسا وضعوا على كل واحد من أهلها جزية… نحو سبعة أضعاف جزية المسلمين… أما الجزية في الإسلام فقد كان النبي يقدرها بحسب الأحوال، وعلى مقتضى التراضي…»
المصدر: جورجي زيدان، كتاب «تاريخ التمدن الإسلامي»، الجزء الأول، صفحة 219، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان.
كانت كسر الأصنام في مكة إشارة تأسيسية لتوحيد الله داخل الحرم المكي، لكنها لم تتحول إلى أيديولوجيا حداثية متطرفة تدمر ما تجده في بلاد الرافدين والشام ومصر؛ بل بقيت الآثار هناك لمئات السنين حتى ظهرت تنظيمات مثل القاعدة وداعش وفصائل مماثلة، فدمّرت كل شيء حتى تماثيل باميان في أفغانستان. هذه الحالة تعكس هوية الأمة الإسلامية في إطار حداثي، حيث تقاتل دفاعاً عن مخيلتها الأسطوري، شبيهةً بطريقة نضال النازية دفاعاً عن المخيلة الآرية للأمة الألمانية، وطريقة موسوليني دفاعاً عن المخيلة الرومانية للأمة الإيطالية. أما تعاملنا مع اليهود فقد استلهمنا كراهيتهم من الغرب الحداثي الذي صوّرها لنا ولصقها بتاريخنا وقُبلناها، بينما الواقع العربي يوضح أن هذه الكراهية غير موجودة؛ فموضعنا من اليهود – إن وُجد – هو مجرد تصرفات صغيرة ومحدودة تحدث في سياقات تاريخية محددة «آنذاك»، ويمكن تعميمها على تاريخ الإسلام الذي يمتد 1426 سنة، لتصبح فترة طويلة من التسامح منذ العهد النبوي مروراً بالدولة الأموية والعباسية ووصولاً إلى الأندلس. لكن هذا المقطع الزمني الضيق يتم تضخيمه عبر الاستشراق ليصبح المبرر الموضوعي للشر الكامن في الضمير المسيحي الغربي ضد اليهود، وقد استوعبناه بالكامل كآخر قطرة من مفاهيم الاستعمار والحداثة.





