الرئيسيةاقتصادغياب المنافسين قد يتحول إلى فخ...
اقتصاد

غياب المنافسين قد يتحول إلى فخ استراتيجي لرواد الأعمال

10/06/2026 19:03

الأربعاء – 10 يونيو 2026
Wed – 10 Jun 2026

«المخاطرة تكمن في عدم وجود مثل مشروعك، والفرصة كذلك!!».

المعادلة الخاسرة مقابل المعادلة الصحيحة

عادةً ما تبدأ المشاريع الخاسرة من عقلية رائد الأعمال الذي ينظر إلى فكرته باعتبارها فريدة أو حتى خارقة، ويتوقع أنها ستحقق أرباحاً طائلة بمجرد إطلاقها. وعندما يلتقي التفاؤل والحماس مع مفهوم «الأولية»، أي كون المشروع هو الأول من نوعه في مجال أو مكان أو تقنية معينة دون وجود منافس، تظهر أمام رائد الأعمال معادلة طرفها الأيمن هو: تفاؤل + حماس + «أولية» = ؟

هنا يبدأ التحدي الحقيقي في ذهنية رائد الأعمال. فغالبية رواد الأعمال يرون المعادلة على النحو التالي: تفاؤل + حماس + أولية = مشروع ناجح.

أما المعادلة الصحيحة فهي: تفاؤل + حماس + أولية = مخاطرة + فرصة.

في هذا المقال ستتضح أهمية هذه المعادلة، وكيف أن إهمال قيمة المخاطرة والمبالغة في تقدير قيمة الفرصة، عندما يكون المشروع الأول من نوعه في السوق المستهدفة، يؤدي إلى تحول الفرصة إلى أزمة تهدد بقاء المشروع، وذلك من خلال حالة عملية لمطعم سوداني في مدينة الرياض.

مفارقة الأولية: حين يكون الريادة خطأً استراتيجياً

بالأمس، كنت في جلسة استشارية لأحد المطاعم المتخصصة في الأكل السوداني. عرض صاحب المطعم المشكلة التي يواجهها: انخفاض حاد في المبيعات منذ افتتاح المطعم قبل عام، مما يهدد استمراريته. بدأت معه بأسئلة تلقائية بسيطة: ما الأطباق المقدمة؟ كم تبلغ المبيعات اليومية؟ أين يقع المطعم؟

عادةً ما تكون المشكلة دقيقة وتفصيلية، وتحتاج إلى أسئلة عميقة وكثيرة، وزيارة للموقع، وربما زيارات متعددة، ومراقبة الأداء، وفحص السجلات المحاسبية وخطط التسويق وغيرها. لكن في حالة هذا المطعم السوداني، كان هناك خطأ استراتيجي أساسي وواضح، جعل المهمة الأولى، قبل أي دراسة تفصيلية للحالة، هي معالجة هذا الخطأ.

الخطأ يتمثل في: وجود المطعم المتخصص بالمأكولات السودانية في حي غرب الرياض، مع أن الأطباق السودانية لم تنتشر في المدينة بشكل جيد مثل المأكولات الشامية أو اليمنية أو المصرية أو التركية وغيرها. والحي الذي يقع فيه المطعم يتميز بمواصفات معينة تعقد مهمة بيع هذه الأطباق فيه، ومنها:

  • سكان الحي من ذوي الدخل المحدود.
  • سكان الحي من الأسر الكبيرة.
  • نسبة الجالية السودانية في الحي منخفضة جداً.
  • الأكلات السودانية غير منتشرة لدى السكان، وأغلبيتهم لم يجربوها (كما هو الحال في معظم مناطق الرياض).

تشير هذه المواصفات إلى أمرين خطيرين:

الأمر الأول: أن حساسية السعر لدى الفئة المستهدفة عالية، أي أن أي زيادة طفيفة في السعر تؤدي إلى انخفاض كبير في المبيعات. تصف نظرية «مرونة الطلب السعرية» هذه الظاهرة بأنها «منتجات عالية الحساسية» (Kotler & Keller, 2016, p. 484)، وإن كان المنتج نفسه ليس عالي الحساسية في الوضع الطبيعي، لكنه أصبح كذلك بسبب معطيات سكان الحي.

الأمر الثاني: وهو مكمل للأول، أنه طالما حساسية السعر مرتفعة، فإن تجربة طبق جديد تصبح خياراً ضعيفاً بالنسبة للفئة المستهدفة؛ لأنهم لا يتحملون تكلفة تجربة غير مناسبة لهم (Goldsmith & Newell, 1997, p. 166).

أخبرته أن المطعم المتخصص بأكلات تستهدف فئة معينة تكون فرص نجاحه عالية في حالتين: إما وسط جاليته، وهي الفئة التي تعرف أطباق المطعم وتبحث عنها مما يحقق كثافة، وفي حالة هذا المطعم هي الجالية السودانية؛ أو كمطعم فاخر في حي راقٍ يستهدف عشاق التجربة (نخبة).

أما الدخول إلى حي شعبي بمنتج غير معروف للسكان بحثاً عن الأولية، فهو مخاطرة تحتاج إلى دراسة جيدة قبل الإقدام عليها. لكن للأسف، بنى رائد الأعمال في هذه الحالة قراره الاستراتيجي الأساسي على المعادلة الخاطئة: تفاؤل + حماس + أولية = مشروع ناجح.

ولم يتعامل على أساس المعادلة الصحيحة: تفاؤل + حماس + أولية = مخاطرة + فرصة.

الدراسات المنحازة تهيئ للوقوع في خطأ الأولية

لا يلام رائد الأعمال في هذه الحالة على هذا الخطأ، لأن أغلب الدراسات ركزت على المشروعات التي بقيت في السوق ونجحت لأنها كانت الأولى، واستبعدت المشروعات التي خرجت من السوق رغم أوليتها. هذا «تحيز البقاء» (survivorship bias) يعني دراسة المشروع الذي بقي واستبعاد من خرج، وقد أظهرته دراسة (Golder & Tellis, 1993, p. 159).

ذكرت الدراسة أن الرواد الذين ينجحون غالباً ليسوا أول من يصل إلى السوق، بل هم رواد مبكرون يدخلون السوق بعد الرائد الأول (Golder & Tellis, 1993, pp. 158, 170).

وتعتبر هذه الدراسات وقوداً محركاً للكثير ممن يتحدثون على حسابات التواصل الاجتماعي، وينحازون بدورهم للنجاحات، ويتحدثون عن المشاريع الناجحة التي تحقق مشاهدات، بالاعتماد على الدراسات المنحازة. يصبح التسلسل: دراسات تركز على المشاريع التي بدأت وبقيت، وإعلام يركز على الرواد الذين بدأوا ونجحوا وفق الدراسات، وعقلية رائد أعمال تركز على مبدأ خاطئ وهو الأولية.

القاعدة: لا يوجد مشروع لا يحتاج إلى دراسة خاصة به، سواء كان الأول أو الأخير.

مقارنة التكاليف: بين نقل المكان وتغيير التخصص

ومثل أي خطأ استراتيجي، فإن تكلفته عالية ومعالجته صعبة. وجدت أن الحلول المباشرة هي حلول استراتيجية بحجم الخطأ نفسه، وهي:

  • تغيير الحي ونقل المطعم إلى حي توجد فيه كثافة من الفئة المستهدفة أو نخبة من المجربين الأوائل.
  • تغيير الوجبات والأطباق التي يقدمها المطعم لتتناسب مع سكان الحي، مما يعني تغيير تخصص المطعم عن الأكلات السودانية التي يعمل بها منذ عام.

لكن كلا الحلين مكلف، وحجم المخاطرة فيهما مرتفع. تغيير مكان المطعم بعد عام من العمل سيكون الأكثر تكلفة، ولكن الاستمرار في المكان نفسه وبالطريقة نفسها لا يقل تكلفة عن النقل أو الإغلاق، بل قد يزيد مع الوقت.

أما تغيير تخصص المطعم وهويته فيحمل مخاطر داخلية مثل: قدرة العاملين على إعداد الأطباق الجديدة، ومخاطر خارجية مثل: تقبل الفئة المستهدفة (سكان الحي) لهذا التغيير الكلي.

أفضل حل: قليل من التكلفة وقليل من المخاطرة

قمت بتوصيف المشكلة لرائد الأعمال من وجهة نظر العملاء لتتضح له الصورة، وهي: «لن أجرب طبقاً جديداً لا أعرف طعمه، لأنني أخاف أن أخسر ما دفعته دون أن يعجبني، وميزانيتي محدودة».

وعليه، يمكن اختصار المشكلة من وجهة نظر المطعم بـ«حاجز التجربة»، والحل يكمن في ثلاث كلمات هي «كسر حاجز التجربة».

هذا التوصيف يخلق السؤال الأهم الذي يحتاج إجابة: كيف أشجع العميل على كسر حاجز التجربة؟

إذا وجدنا إجابة مقنعة لهذا السؤال، يتفادى المطعم الحل المكلف (نقله) أو الحل الخطير (تغيير تخصصه)، وسينجح في اجتياز خطأ استراتيجي (البحث عن الأولية) بحل تكتيكي. بالتأكيد الأمر ليس بهذه السهولة، يجب أن يكون الحل غير مكلف وقابلاً للاختبار.

أفضل حل وجدته يحقق المطلوب هو «الطبق الجسر»، وهو طبق ينطلق من ذائقة أهل الحي وثقافتهم في الطعام، ويتوافق مع طبيعة المأكولات السودانية، بحيث لا يخرج المطعم عن تخصصه أو يغير هويته، وينطبق عليه شرطان: التكلفة المنخفضة وإمكانية التجربة. الغرض من هذا الطبق هو كسر حاجز التجربة لدى العميل، ويجب مراقبة هذا الغرض بعناية فهو معيار نجاح التكتيك من فشله.

الطبق الجسر ليس أسلوباً جديداً في المطاعم، بل هو طريقة مشهورة شاهدتها في كبرى المطاعم عندما دخلت السوق السعودي، مثل ماكدونالدز عندما أضافت البرجر بالنكهة العربية، وكنتاكي بإضافتها إلى قائمتها طبق الأرز، وغيرهما.

القاعدة: قبل أن تفكر بجودة الطعام، تأكد من رغبة العميل في تذوقه. في الطبق الجسر يجب أن يرغب أولاً، ويتذوق ثانياً، كلاهما مهم.

خارطة التنفيذ: أربع خطوات للنجاح

اختيار الطبق الجسر يجب أن يكون وفق قواعد محددة، وإلا سيظهر المطعم وكأنه يتخبط ويزداد الوضع سوءاً. أهم معايير اختيار الطبق الجسر هي:

  • ملاءمة الطبق للفئة المستهدفة من حيث الانتشار والمذاق والسعر، وفق دراسة لسكان الحي وثقافة الطعام لديهم ومتوسط سعر الوجبات التي يشترونها.
  • توافقه مع هوية المطعم وضمن اتجاه المأكولات والمشروبات التي يقدمها وفي إطارها. فمثلاً الأرز أكلة شعبية في المجتمع السعودي ولا يكاد يخلو مطبخ عربي من طبق الأرز بطريقة معينة، فمن الممكن الدمج بين الرز بالطريقة السودانية مع اللحم أو الدجاج في تقاليد الطعام السعودية والعكس، ويجب أن يتم ذلك من خلال أحد الطهاة الجيدين الذين يجيدون طبخ الوجبات في المطبخين السعودي والسوداني.
  • إمكانية التجربة الخجولة للطبق، بمعنى إدراج الطبق ضمن القائمة دون إعلانات مبالغ فيها، حتى تؤخذ التغذية الراجعة من فئة قليلة تعتبر عينة اختبار.
  • اختيار اسم مميز يربط بين ثقافة سكان الحي وذائقتهم في الطعام، مع الأطباق الأصلية التي تعبر عن هوية المطعم.

إن أفضل حل للخطأ الاستراتيجي هو تجنبه وعدم الوقوع فيه، من خلال دراسة القرارات الاستراتيجية بعناية، وعدم الاندفاع نحو الأولية على حساب المخاطرة. أما إذا وقعت في خطأ استراتيجي مثل اختيار موقع غير مناسب، رغبة في أن تكون الأول، عندها عليك أن تبحث عن مخارج تقلل الأضرار، وحلول عملية وغير مكلفة بحيث لا تزيد حجم الخطأ وأثره، وقد تحول هذا الخطأ إلى فرصة أو في أقل تقدير تقلل حجمه وأثره. وإن لم يحدث ذلك، فعليك تقبل المحاولة لأنها التصرف الصحيح لتقليل الخسائر المكلفة أو تجنبها.