الرئيسيةكتاب و آراءالسعودية.. وطن لا يحتاج إلى دليل...
كتاب و آراء

السعودية.. وطن لا يحتاج إلى دليل في مواجهة حملات التشويه

27/07/2026 05:01

يقول صديقي السوداني: كلما تصادفت مع منشور يسيء إلى المملكة العربية السعودية، أو سمعت من يشكك في مواقفها، أو يحاول إنكار إسهاماتها للعرب وقضاياهم، تذكرت بيت المتنبي: «وليس يصح في الأذهان شيء / إذا احتاج النهار إلى دليل».

فالحقائق التي تلوح كالشمس في وضح النهار لا ينكرها إلا جاهل أو من اتبع هواه، مثلما ينكر الأعمى نور الشمس. وهكذا هي مواقف المملكة الراسخة، التي تشهد بها الأيام قبل الكلمات، وتحفظها الوقائع، مهما حاول أصحاب الشعارات إنكارها، ممن أحقادهم أعمت أبصارهم، وضباب الحسد أو الجهل حال دون بصائرهم، فغفلوا عما رآه الأباعد وسجلته صفحات التاريخ وسير العطاء.

مفارقة مؤلمة: العطاء يقابله الجحود

الحقيقة أن ما قاله صديقي «أبو صالح» جعلني أتأمل طويلاً هذه المفارقة المؤلمة: دولة تبذل المال وتكتب الأفعال على مدى عقود، ومواقفها تتسم بالبناء والإسناد والاستقرار، وكثير منها كان مصيرياً في تأثيره على استقرار دول وشعوب. كم مرة ساهمت في إنقاذ دول من الانهيار الاقتصادي، أو الفشل السياسي، أو حتى الاحتراب الأهلي، ثم جاءت المكافأة غالباً هجوماً لا تعاوناً، وجحوداً لا اعترافاً ولا شكراً.

مواقف راسخة منذ عهد المؤسس

ظلت المملكة العربية السعودية، منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، سنداً لقضايا الأمة العربية والإسلامية، ومصدراً للاستقرار والعمل الإنساني والسياسي. وهي مواقف وثقتها الأحداث قبل أن تتداولها المنابر ووسائل الإعلام. لذلك فإن إنكارها أو التقليل من شأنها لا يغير من حقيقتها شيئاً؛ فالحقائق الكبرى لا تقاس بضجيج المشككين، بل بما تركته من أثر وما شهدت به الأيام.

لا شك أن تباين المصالح واختلاف الرؤى السياسية وتعدد الاصطفافات الأيديولوجية تفسر جانباً من هذا المشهد. لكن موضع الاستغراب يبرز حين يصدر الجحود ممن نالهم جود المملكة ودعمها السياسي والاقتصادي والإنساني والأمني بما تعجز الأرقام عن حصره، حتى يقف المرء حائراً لا يدري بأي عبارات الدهشة يبدأ. وهنا تأتي الحكمة العربية القديمة: «اتق شر من أحسنت إليه» من أعماق التاريخ، عزاءً وتذكيراً بأن الإحسان لا يصنع من الحاسد محباً، ولا من العدو صديقاً.

حملات منظمة تستهدف الوعي

الحقيقة أن أهداف الحملات المسيئة إلى السعودية لم تتغير بقدر ما تغيرت أدواتها. فالغاية ما زالت تضليل الشعوب وتزييف الوعي، غير أن وسائل التنفيذ أصبحت أكثر سرعة وانتشاراً؛ إذ تحولت بعض المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لحملات منظمة تستثمر في العاطفة، وتجتزئ الوقائع من سياقاتها، وتعيد تأويلها بما يخدم رواياتها، وتروج لنظريات المؤامرة، مستفيدة من سرعة انتشار المعلومة ومن أدوات التزييف العميق ومن ميل الجماهير إلى التفاعل مع الخطاب المشحون أكثر من الحقائق المجردة.

مشكلة هذه الحملات أنها لا تستهدف موقفاً بعينه بقدر ما تستهدف الوعي ذاته؛ فالتكرار المستمر كفيل بصناعة الشك، وتراكم الرسائل المضللة قادر على تشويه الحقائق لدى من لم يعاصر الأحداث أو يطلع على التاريخ. وحين يغيب التوثيق المهني وتضعف الرواية الرصينة، يصبح المجال مهيأ لمن يرفع صوته أكثر، لا لمن يملك الحقيقة.

مواجهة التشويه بفهم المعركة الإعلامية

لذلك فإن التعامل مع هذا النوع من التشويه لا يكون بالانفعال ولا بالاكتفاء بالاستنكار، بل بفهم طبيعة المعركة الإعلامية الحديثة، وتطوير أدوات الخطاب، وتوثيق المواقف التاريخية بلغة الأرقام والشواهد، وصناعة محتوى مهني قادر على مخاطبة العقول قبل العواطف، واستحضار الذاكرة التاريخية للأمة بعيداً عن ضجيج اللحظة وتقلباتها.

ولعل أخطر ما ينبغي التنبه إليه أن حملات التشويه إذا تركت دون مواجهة واعية، فإنها تعبث بذاكرة الشعوب وتعيد تشكيل وعي الأجيال الجديدة وفق روايات مبتورة ومواقف انتقائية. وهو ما يفرض على المؤسسات الإعلامية والثقافية مسؤولية مضاعفة في حماية الحقيقة من التشويه، وصيانة الوعي من التضليل، وتوثيق المواقف بلغة الوقائع لا الشعارات.

وطن لا يحتاج إلى دليل.