الرئيسيةكتاب و آراءعندما يسرقنا الانشغال من يومنا
كتاب و آراء

عندما يسرقنا الانشغال من يومنا

الانشغال بين الوسيلة والغاية

كلمة “مشغول” أصبحت الرد الجاهز على كل اعتذار وتأخير ووعد لم يُنفّذ. يشعر معظم الناس أن يومهم لا يكفي وأن الساعات تمر بسرعة أكبر من المتوقع.

العلاقات في ظل الشاشات

التأمل يوضح أن الانشغال بحد ذاته ليس سيئاً؛ فالإنسان خُصِصَ للسعي والبناء. المشكلة تظهر عندما يصبح الانشغال هدفاً بحد ذاته، فننسى الحياة نفسها بينما نكون مشغولين بإنجازها.

قيمة الحضور الحقيقي

يعود أب متعب إلى البيت ليجد أبناءه على verge من النوم، فيكتفي بسؤال سريع ثم يلتفت إلى هاتفه أو ما تبقى من عمل. أما الأم فتقضي معظم وقتها في شؤون المنزل، וכאשר تجتمع مع العائلة يكون التعب قد سبق الحديث. الصديق يؤجل الزيارة شهراً بعد شهر متذرعًا بـ”سأجد وقتاً مناسباً”، والقريب لا يُذكر إلا في مناسبة عابرة أو عزاء.

إعادة ترتيب الأولويات

الوسائط التي كانت لتقرب البعيد باتت spesso تبعد القريب؛ يجلس أفراد الأسرة في غرفة واحدة بينما كل واحد غارق في عالمه عبر شاشة صغيرة، وتصبح المحادثة الطويلة بينهم حدثاً نادراً يستحق التعجب.

ليس المطلوب ترك العمل أو خفض الطموح، فالمسؤوليات جزء من الحياة والنجاح هدف محمود. لكن ما فائدة نجاح لا يُشارك فرحه أحد؟ وما فائدة بيت واسع إذا خلا من جلسة عائلية دافئة؟ وما فائدة قائمة إنجازات طويلة إذا كان صاحبها يشعر بالوحدة؟

من المفيد أن يسأل المرء نفسه من حين لآخر: لو توقفت أعمالي اليوم، فمن هم الأشخاص الذين سأندم على تقصيري تجاههم؟ هذا السؤال وحده يستطيع إعادة ترتيب العديد من الأولويات.

العلاقات لا تحتاج دائماً إلى ساعات طويلة لتظل حية؛ مكالمة قصيرة، زيارة عابرة، رسالة صادقة، أو جلسة يخلو فيها الإنسان من هاتفه لدقائق مع من يحب، قد تكفي لإبلاغ الطرف الآخر أنه لا يزال يحتل مكاناً في القلب، وأن الانشغال لم يمح أثره.

كل إنسان يملك أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، والفرق ليس في عدد الساعات بل في طريقة توزيع حضورنا فيها. الوقت الذي نعطيه لمن نحب لا يضيع؛ بل يعود إلينا طمأنينة وألفة وذكريات جميلة تبقى بعد انتهاء كل الأعمال.

الأجمل الذي يتركه الإنسان وراءه ليس عدد المهام التي أنجزها ولا عدد الاجتماعات التي حضرها، بل القلوب التي شعر أصحابها أنه كان حاضراً معهم ولو لوقت قصير. فانشغال قد يكون قدراً، أما الغياب عن الأحبة فغالباً ما يكون اختياراً.