«مسألة حياة أو موت»: فيلم سعودي يطرح الحب كوسيلة للنجاة من الخوف

«مسألة حياة أو موت» لا يقتصر على سرد قصة، بل يطرح سؤالاً صريحاً أمام المشاهد: هل يمكن للحب أن ينجو الإنسان من مخاوفه الداخلية؟ يأتي العمل في وقت تشهد فيه السينما السعودية تحولاً نحو تجارب أكثر جرأة ونضجاً، معتمدًا على مزيج من الكوميديا السوداء والفانتازيا والرومانسية النفسية لتقديم عمل يكسر القوالب التقليدية في المشهد العربي.
انطلاق الفيلم من مهرجان البحر الأحمر
انطلقت رحلة الفيلم عندما عُرض في الدورة الخامسة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، حيث حظي بترحيب نقدي وجماهيري مبكر. القصة التي تمزج بين العبث النفسي والرومانسية الداكنة أثارت التوقعات مع كشف الإعلان الترويجي والبوستر الرسمي، على الرغم من أن موعد عرضه التجاري لم يُعلن بعد.
جدة ككيان حي في السرد
في هذا العمل، لا تُعد جدة مجرد خلفية، بل تتحول إلى شخصية حية تشارك الأبطال قلقهم وتحولاتهم. شوارعها، بحرها، فوضاها البصرية وتناقضاتها الاجتماعية تصنع عالماً قريباً من الواقع لكنه مشبع بالتوتر والعبث الداخلي. يبرز هذا الحضور المكثف استثمار السينما السعودية لخصوصية المكان في صياغة لغة بصرية صادقة ومقربة من بيئتها.
قصة الحب بين «حياة» و«يوسف»
تدور الحبكة الدرامية حول شخصية «حياة» التي تجسّدها سارة طيبة، امرأة تعتقد بوجود لعنة عائلية تحتم عليها الموت في ليلة عيد ميلادها الثلاثين، كما حدث لأمها وجدتها. في المقابل، يقف «يوسف»، جراح القلب الذي يجسده يعقوب الفرحان، رجل ناجح مهنيًا لكنه يعيش في عزلة باردة بسبب تباطؤ غامض في نبض قلبه يجعله منفصلاً عن الآخرين. يفتح لقاؤهما في لحظة مأزومة باباً لتفكيك العلاقة بين الخوف والمصير والحب، من خلال رحلة تمزج بين الكوميديا السوداء والدراما النفسية دون الانجراف إلى الميلودراما.
الاختيار الجريء للكوميديا السوداء
اختيار الكوميديا السوداء كوسيلة سردية يمثل رهانًا فنيًا في الفيلم. الضحك لا يُقصد به الترفيه بحد ذاته، بل يُستَخدم لكشف هشاشة الإنسان العصري، قلقه، وحدته وخوفه من المجهول. هذه المقاربة تمنح العمل عمقًا إنسانيًا وتعكس تحولًا في ذائقة السينما السعودية نحو شخصيات مركبة وأسئلة نفسية معقدة.
«مسألة حياة أو موت» يشكل محطة جديدة لعقوب الفرحان، الذي يقدّم أول تجربة رومانسية سينمائية له، لكن بصورة تختلف عن البطل العاطفي التقليدي. شخصية يوسف تتسم بالقلق والعزلة وتحتوي على تناقضات تُظهر قدرته على تجسيد الأدوار النفسية. أما سارة طيبة فتوفر للبطلة حسًا شخصيًا واضحًا وحوارًا أقرب إلى الواقع، إلى جانب مشاركة حسام الحارثي، فيّ فؤاد، رهف إبراهيم، نجلاء العبدالله، أسامة القس، أماني الجميل، غادة عبود ومي حكيم في طاقم التمثيل.
وراء الكاميرا يقف المخرج الشاب أنس باطهف، الذي ارتبط اسمه بصناعة المحتوى والسينما المستقلة. بعد تجارب إرشادية وإخراجية في أفلام مثل «دولاب في» و«جميل جداً»، يبدو أن «مسألة حياة أو موت» هو العمل الأكثر نضجًا من حيث الفكرة واللغة البصرية.
يُنتج الفيلم بالتعاون بين «فيلم كلينك»، و«فرونت رو برودكشنز»، و«إرابيا بيكتشرز»، بدعم من الصندوق الثقافي وصندوق مهرجان البحر الأحمر، ما يعكس حجم الحراك الذي تشهده الصناعة. الفيلم لم يعد تجربة فردية، بل جزءًا من مشروع ثقافي أوسع يهدف إلى بناء سينما سعودية تمتلك لغتها الخاصة وتستطيع المنافسة على المستويين العربي والدولي.
في الختام، يُقَدِّم «مسألة حياة أو موت» تأملًا في الإنسان وهو يحاول النجاة من خوفه الداخلي ووحدته، حيث قد تتحول أفكاره إلى سجن ذاتي. خطوة فنية تتجرأ على استكشاف النفس البشرية، وتؤكد أن السينما الحقيقية لا تكتفي بسرد الحكايات فقط، بل تسعى إلى فهم الإنسان ذاته.





