الرئيسيةعربي و عالميتحليل مكيافللي للكتاب «المثل السائر» وتطبيقاته...
عربي و عالمي

تحليل مكيافللي للكتاب «المثل السائر» وتطبيقاته على نظرية «الأمير»

04/06/2026 13:01

قضى مكيافللي شهرًا كاملاً في إتمام مهامه المتعلقة بتقنين مسالك القوافل ومنافذ التجارة، وأبرم عددًا من الاتفاقات، ورافق البتليسي في جولاته الميدانية، حيث راقب كيفية بناء تحالفات بني عثمان مع أمراء العشائر وقادة الطوائف. بعد انتهاء هذه الفترة، تسلم الكتاب المترجم، وسلم المترجم كل ما تبقى له من مال، ولم يبقَ إلا تغطية نفقات قوافل الحرير التي ستنطلق به نحو حلب، ثم من حلب إلى موانئ الشام، قبل أن يستقل سفينة تجارية إلى إيطاليا.

الوصول إلى إيطاليا ومواجهة الانقسام السياسي

عند وصوله إلى إيطاليا، وجد مكيافللي أن البلاد تعاني من تناقض واضح بين ازدهار الفنون والآداب من جهة، والانحطاط السياسي من جهة أخرى، إذ كانت المدن الإيطالية متناحرة وتخضع لتدخل القوى الأوروبية الكبرى كفرنسا وإسبانيا. استمر الانقسام لفترة طويلة، فغادرت القراءة والعزلة مكيافللي، حتى وقع على كتاب جلبه من جزيرة ابن عمر، ولاحظ أن هذا المؤلف يحمل ما يراه حلاً جذريًا لمشكلات إيطاليا.

محتوى «المثل السائر» وأفكاره السياسية

الكتاب الذي عُنِي به مكيافللي يحمل عنوان «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر». قرأه بتمعّن، وسجّل تعليقات على هامشاته، أبرزها فكرة تحويل الكتابة إلى مهنة سياسية تجعل القول فعلًا. يوضح المؤلف أن العقل العربي لا يقبل انفصال الكلام عن أثره، فالكلمة المستمدة من الأمر لا تتحقق إلا بتنفيذ فعل، وإلا يزول الرابط بين الحاكم والرعية. وبالتالي، إذا سافر القادة، يُعين عليهم أمير لضمان استمرارية السلطة، إذ تُعد الإمارة الرابط الأساسي بين القول والفعل في الفكر العربي.

ملاحظات مكيافللي حول «المثل السائر»

سجل مكيافللي ثلاث ملاحظات رئيسية في دفاتره عن الكتاب، وأشار على هامش كل منها بعبارة «تُنقل إلى كتابنا الأمير». الأولى: بناء عقل الدولة يتطلب نثرًا عمليًا لا شعرًا بلاغيًا. الثانية: ضرورة نقل الخيال من مرحلة الاستقبال السلبي إلى أرض الإنتاج الفعّال، مستشهداً بما فعله ابن الأثير في تحويل طرق التعبير إلى مادة قابلة للقياس تُستعمل لاحتواء الخصوم وإدماجهم. الثالثة: الانحياز المطلق للواقع، إذ يستند العرب في سياساتهم إلى إرادة البشر ويستغلون فهمهم للغرائز والمخاوف لتثبيت أركان الحكم، مع الإشارة إلى أن اليوتوبيا والكمال الأخلاقي يُرجَعان إلى الإرادة الإلهية.

تجسيد الفكرة في نظرية «الأمير»

من هذه الملاحظات نشأت نظرية كتاب «الأمير» التي تجمع بين حيل الكاتب وأفعال الحاكم. فبينما يفرض ابن الأثير على الكاتب الديواني مزج التهديد مع المداورة لاكتشاف شراك الخصوم واستدراجهم، يكتب مكيافللي في نظريته أن الأمير لا ينبغي أن يُحكم بالفضيلة المجردة، بل بالمرونة السياسية التي تجمع بين قوة الأسد التي تخيف الخصوم ودهاء الثعلب الذي يكتشف ما هو مخفي. كما يرى أن الحاكم، مثل كاتب الديوان عند ابن الأثير، يجب أن يُخضع كل القواعد البشرية لخدمة استقرار الدولة، مستندًا إلى مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» الذي ينعكس في كل من الكتابة الديوانية وسلطة مكيافللي.