الرئيسيةمنوعاتفروسية المتفرج: من المشاهد خلف الشاشات...
منوعات

فروسية المتفرج: من المشاهد خلف الشاشات إلى صُناع الرأي في السوشيال ميديا

25/05/2026 01:02

يُستحضَر في الذاكرة المثل التونسي الشهير “المتفرج فارس”، وهو تعبير يُطلق على من يجلس أمام شاشة التلفاز أو على مقاعد المدرجات لمتابعة مباراة حاسمة، ثم يُطلق على الأخطاء التي يرتكبها اللاعبون انتقادات حادة ومشحونة بالغضب. يتقافز المتفرج بالكلمات المملوءة بالاحتجاج عندما يتأخر أحد اللاعبين في تسديد الكرة أو يخطئ آخر في التمريرة، فتُهدر الفرص ويعود دفاع الخصم إلى مواقعه. يتصاعد الاعتراض تدريجياً حتى يصل إلى أقصى درجات الشتائم واللعنات، رغم أن المتفرج نفسه لم يلمس الكرة يوماً، بينما يُعتبر اللاعب المهدد أحد أمهر اللاعبين على مستوى العالم.

بطولة المتفرج المتوهمة

هذه الظاهرة التي يطلق عليها “فروسية المتفرج” تمثل بطولة وهمية تُمارس من خلف الشاشات وعلى مقاعد المدرجات، حيث تُصبح كل الأخطاء فادحة، وتُظهر القرارات كأنها في غاية السهولة، وتُقارب الانتصارات من أن تُفوت. في هذا السياق يتضخم اليقين بلا تجربة، وتعلو الأصوات بلا معرفة، وتترسخ فكرة الإحاطة بكل شيء داخل عقل لم يختبر سطوة الميدان. فالفرق بين القول والفعل لا يُصنعه الحماس العابر، بل يتضح في لحظة المواجهة وعلى قدر قدرات كل فريق.

منصة الفارس في عالم السوشيال ميديا

تجسدت هذه الشخصية المتضخمة في عالمنا الرقمي كما ظهرت سلفاً في مدرجات الملاعب وخلف شاشات الفضائيات، لكنها اليوم تظهر عبر نوافذ التواصل الاجتماعي. يبرز “اليوتيوبر” باسمٍ ما، و”التيك توكر” آخر، و”السنابي” صاحب الصوت الرنان، كلٌ يقدِّم نفسه صانع محتوى أو مؤثرًا أو صاحب رأي. إلا أن القاسم المشترك بينهم هو ما يُسميه البعض “منصة الفارس”: شخصية تمتطي آلاف المتابعين، وتستغل جهل بعضهم، وتستغل تساهل آخرين، وتستثمر تواضع الذوق العام لتسير إلى بطولتها المتوهمة، حكيماً بلا حكمة، وخبيراً بلا علم، وصاحب قضية لا يحمل من أدواتها سوى ضجيج الشهرة، التي تشبه استعراض طاووس في حديقة مليئة بالألوان.

تضخم سلطة الشهرة وتوسيع نطاق الرأي

ما يُلاحَظ اليوم هو حالة تضخم لسلطة الشهرة، إذ تتحول الشهرة من مجرد حضور جماهيري إلى شعور ضمني بأحقية المشاركة في كل المجالات. يصبح المتابعون يبدون آرائهم في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والطب والتعليم والدين والرياضة، متخيلين أن لديهم خبرة شاملة تجيب على كل سؤال. إن هذا الانسجام الزائف بين الشهرة والرأي قد يخلق انطباعاً زائفاً بأن بعض هؤلاء يُولدون خبراء شاملين يطرحون الأسئلة ويقدمون الإجابات.

دعوة إلى الاختيار الأخلاقي والوعي

يُختم الكاتب بتحية للمتابعين، داعيًا إياهم إلى أن يكونوا انتقائيين في اختياراتهم ويمارسوا الانتقاء الأخلاقي، فذلك مسلك رفيع لا يسلكه إلا النبلاء. الكلمات والاختيارات تمثل شخصية المتحدث، لذا يُنصح بالبحث عن من يهذب الذوق ويقدم معلومات نافعة، ويُحسِّن نفسه قبل أن يحسِّن للآخرين. كما يُذكر أن الشباب هم مزرعة الكبر، وأن الإنسان سيُسأل يوم القيامة عن أربع: عمره وما أُنفق فيه، وجسده وما عولج به، وعلمه وما فعل به، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وفقاً للحديث النبوي الشريف.