حوار ثقافي يكشف عن أزمة الإنتاج الفكري وتأثير التفاهة على المثقفين

واقع الثقافة والكتاب
ينبغي نقل الفكرة الملحة حين يتحول الجدل والحوار إلى مسألة اجتماعية تهم المثقف وعامل المعرفة المؤثر في الساحة والشأن العام. وفي ذلك السياق شهدت ليلة أمس انقساماً في الحديث حتى غاص في بحيرة صاخبة حول أجواء الثقافة والمثقفين في البلد، وسأل أحدهم عن غياب صدور الكتب الدسمة عن الساحة والمكتبات ومعارض الكتب، تلك الكتب التي تدعم الغنى الفكري وتجدد الوفرة المعرفية الخاصة بالبلد. وكأن المتحاورين، رغم اختلاف آرائهم، يتفقون على الجفاف الثقافي الذي دفع القارئ والمهتم إلى حافة الإحباط.
صور أربعة مثقفين
من هنا تستيقظ الذاكرة الصلدة في تلك الجلسات، وتضرب المجسات وتستيقظ وتتلمس مجالاً نحو كشف المشاعر وبث الشجن عما آل إليه الوضع الثقافي إلى هذا البؤس، حتى استحوذ على الساحة التصحر وأرباع الكتاب، وهواة الكتابة الفارغين من أي قيمة إبداعية ذات بعد لافت يحرك رأياً أو يثير في العقل لذة الجمال، وهي الغاية الكبرى من الخلق الفني الذي افتقدناه منذ قراءاتنا الأولى من رواد النهضة، مروراً بتلاميذهم وأجيال التسعينات الذين غدوا روادا، مقارنة بهذا الجيل المحطم معرفياً إلى درجة الخذلان.
ولابد لتلك الثرثرة أن تجسد المقصد المتداول بأسماء كانت ملء السمع والبصر كي تتضح الرؤية، حتى تمزقت باللّت والعجن، واتفق الجمع الرباعي على الصور المتداولة، وثبت المآل الذي طوح بهذا أو ذاك من كتاب جيل دُفن حيث أراد الله له، فكان عبرة، وآخر كان قدوة، وأخير كان حسرة من حسرات الزمن.
الأول استمر يكتب ويكتب، وينشر على استحياء كتاباً وراء كتاب غير عابئ بمن يقرأ أو لا يقرأ، مؤملاً بأجيال تقدره، وتحترم مقالته، وحينها برّأ نفسه من التقصير تجاه أيٍّ ممن يعتقد مسؤولية تجاهه.
الثاني أصدر كتاباً، كبيضة الديك تفجرت بين النجوم وسطع وقيل ما قيل، وانتظر المتابعون إصداراً آخر من القريحة الماسية التي لا تصدأ، حتى اختبأ ذاك الأفعوان إلى جحره مثيراً أسئلة مريبة.. هل هو ذاك أم شبح غائر في الظلام؟
الثالث تصدر المشهد بمقالات صاخبة ذات ماركة مسجلة عليه في جريدة رائدة، لأنه حري بها، ألقت به الأقدار في البدايات الأولى، في بقعة من أرض نائية، وجماعة منزوية حتى استخرج أثقالها بجديد من الحكايا وبهارا ذي طعم مختلف أدمنته العامة، حتى اختبأ هذا في جُبّه، ولم يعد.. مستثيراً أسئلة مريبة أيضاً وصار خبراً من الأخبار..
الرابع وآخر استغل مواهب الذكاء الاجتماعي حتى حرن ردحاً من الزمن في ملحق ثقافي، أيا كان اتجاهه وطعمه بانتظار شيء يسمن، فرآه الآخرون بعد الاستغناء عن الورق بعقله الحقيقي، فإذا هو رأس بلقع من الزاد وخدعة سجلت وهما ثم مسخرة أضحت مثالاً على تهافت شلة من الانتهازيين ومثالاً من أمثلة معسكرة ذوات مهيبة وحقائق كاذبة.
تأثير التفاهة وانقسام المجتمع
وآخرون كثر وجدوا ألا نفع للمثقف، ولا حصانة من قلق، ولا ضمانات من براكين الأيديولوجيا ولا زلازل السياسة، فاستفاقوا على نتائج انطلاقة الرفاق، واستهلال الحياة العملية بعيداً عن لغو الثقافة حتى وجدوا ديباجاً مقابل أسمال فندبوا حظهم وبكوا على غفلتهم، وخذلتهم أعضاؤهم الشائبة عن اللحاق بهم حتى حاولوا استدراك ما أمكنهم، فمنهم من قنع بعظمة، ومنهم من عض على هَبْرة نتنة، ومنهم من عزّت نفسه وبقي في طرف المجلس، يستشرف بودكاست، أو منصة ليصفي حساباً، أو يهجو زمناً رديئاً. والحقيقة المخبّأة أن الطيور طارت بأرزاقها..
والمرعب: تلك القصص التي تحكي حوادث مؤلمة لمثقفين أو مدعي ثقافة غرقت بهم سفنهم إلى مجاهيل الشهوات، شهوات الوجاهة المخادعة، ورغبات شبقة إلى مكبوت قديم، وتتطلع إلى فرص سانحة، فلا تتورع عن وضاعة لدور يعيد إليها رمقاً يروي غلة ظمئت سنوات إلى حلاوة اشتاق إليها. وهذا المشهد في الحديث العابر الصادم جعلهم أحاديث مزقتها المجالس كل ممزق، وبدت وجوههم شائهة تستحي من الغلالة القترة على محياهم، وكأنهم قد ارتكبوا خيانة إزاء القيم والفطرة التي نشؤوا عليها.
وأضحت الأوساط الجديرة بالنقاء والحياد العلمي والنقاء في ركود وهمود، ووجوه باهتة تجوس في مناسبات وتتطلع بأعناقها إلى صورة لا تكذب تفاهتها، والأشد منهم من يستعمل هذه الأجواء المعرفية كبريستيج يقدم من خلاله منتجاً سطحياً، أو يستغله في ترويج تاريخ مزيف لشيء ما طالما طمرته السنوات، لأنه هامشي وكومة رمل لا يستحق إلا أن يبقى مطموراً في مكانه المجهول، فهو دعاية للزيف وتزوير للثقافة.
مطلوب قرار للتغيير
شيء واحد هو نتاج هذا الضنك الثقافي وصنّاع الثقافة التجارية، وهو أن نقتنع أن الحرية ليست رفاهية، بل ضرورة للثقافة الحية، ودينمو محرك للإبداع في وجوهه المختلفة.
طروحات في كتب، أدب.. سينما ومسرح وندوات وفنون أخرى. والبيئة الحرة شرارة للتجريب الفكري، قادرة على “كهربة” كل غلط ينشأ من أي توجه يضر بمصلحة المواطن وقيمه، وبشكل آلي دون تدخل من أي جهة، وحماية من الرقيب المؤدلج القابع في كل مكان بالنيابة عن الله، أو المجتهد الذي يريد الناس على شاكلته، فلا يصح إلا الصحيح. ولا تعم جودة الحياة إلى جودة الفكر إلا بعدما تصبح الشاشة الكبرى في السينما وخشبة المسرح العملاقة والتعليم وثراء الكتاب مرآة عاكسة لسيناريو رصين صادق ناضح على نار هادئة من التأمل، لنقلة حضارية تمتد لعقود تنتشل وضعنا مما هو فيه من الوهم والخوف والخرافة والضعف والتسطيح.
وللأسف ما راج مصطلح (التفاهة) إلا من الوضع الكارثي الذي غطى عقل الجيل الجديد بالضحالة والهشاشة الخالية من العمق، حتى تحاشى المثقف الرشيد هذا المستنقع من سخف الطرح وركاكة وجهات النظر، وصار المجتمع ذو شقين: شق هزلي يديره مشاهير التفاهة، وآخرون كفوا ثيابهم كيلا يلوثها رشق لا تحتملهم مناعتهم الذاتية فيمرضوا.
هذا الوضع لا يمكن تغييره إلا بقرار.
من أين يصدر القرار؟ أنتظر الإجابة من القارئ الكريم.





