مقالة أنثروبولوجية عن رقص مختلط وردود القراء على التاريخ الاجتماعي لأبها

السياق الأنثروبولوجي للمقال
لم يهدف المقالة إلى تقديم سرد تاريخي لقبيلة أو شعب محدد، بل إلى تفسير مشهد ثقافي يتكرر أمامنا: رقص جماعي مختلط في مجتمعات تُعرف بالغيرة الشديدة. ويُعتبر هذا السؤال أنثروبولوجياً، وليس تاريخياً ولا أيديولوجياً.
ردود القراء والخلط بين الأنثروبولوجيا والتاريخ
لا يلوم الكاتب القراء على سوء الفهم، بل يلوم نفسه لعدم الإشارة إلى ذلك في بداية المقالة، apesar من رهانه على فهم القارئ وإلمامه بالحد الأدنى من الحقول المعرفية. وقد أدى هذا الرهان غير الموفق إلى وضعه في موقف محرج مع من يخلطون بين الأدوات والمناهج، فيُجريون جدالاً كما لو كانوا يطبقون قواعد كرة القدم على ملعب شطرنج، ويصلون إلى أساليبهم في التواصل معه عبر ما يسمونه «الفهلوة الثقافية» التي تستند مرجعيتها العلمية إلى «جلسة شاي سكر زيادة».
الشهادات التاريخية عن أبها
ولأجل هذا الاهتمام الميكروسكوبي من قبل بعض القرَّاء، سأتحول إلى ناقل لشهادات تاريخية، وكانت نيتي أن أبدأ بنقل ما كتبه علامة الجزيرة العربية حمد الجاسر عن حياته في خميس مشيط وأبها قبل أكثر من تسعين عامًا، باعتبارها شهادة للتاريخ في كتابه «من سوانح الذكريات»، (ص356-359). لكن لن يتقبل بعضهم ما يذكره الجاسر في ذكرياته بسبب ضغط «الهابيتوس الصحوي» على وعيهم، لذا أُحيلهم إلى ما نقله مشعل السديري عن حمد الجاسر في مقاله المنشور على موقع «العربية» سنة 2014م تحت العنوان «نعيب زماننا والعيب فينا» لمن يجد صعوبة في العودة إلى كتاب الجاسر.
« قصة المرأة في أبها: وقصة تطور المرأة في أبها تختلف عن قصص تطور المرأة العادية في مختلف بلاد العالم.. كانت معظم نسائنا إلى عشر سنوات مضت يسرن سافرات دون حجاب، ويختلطن بالرجال في نطاق حدود العائلة، وكانت أبها بمثابة عائلة كبيرة يسيطر عليها جو الأسرة الواحدة.. وكان عدد سكانها لا يتجاوزون خمسة آلاف نسمة.. وذاع صيت أبها من ناحية طيب المناخ، وارتفاعها الشاهق، وكثرة غاباتها وجبالها المكسوة بالخضرة طوال السنة… فضلا عن الاختلاط الأسري الذي لم يكن له مثيل في أي مكان آخر بالمملكة السعودية… وجاءنا الناس من كل مكان من القصيم، والرياض، والخرج، وسدير، والمدينة، ومكة، والطائف… وزهران.. جاء كل منهم إلى أبها حاملاً معه عاداته وتقاليده.. ومن بينها الحجاب يضعونه على وجوه نسائهم.. وبدلا من أن تنطبق عليهم عاداتنا وتقاليدنا، فرضوا هم عاداتهم علينا.. ومن بينها حجاب الوجه.. فرضوه على كل امرأة في أبها… وفي السوق يقف بعض الرجال يفرضون الحجاب على البدويات السافرات القادمات من البادية على ظهور جمالهن».
« إلى الخلف.. سر» : وهذا التطور العكسي للمرأة دفع جريدة عكاظ… إلى كتابة مقال جاء فيه:« كانت المرأة في أبها تشارك الرجل في عمله تزرع وتحطب وتسقي، وتتحدث مع الرجل في جرأة وشجاعة، كل هذا يتم في أدب واحترام متبادلين.. قيل عنها وأصبح ما cité في حكم القصص، يحكيها الشيخ فيتحسر، ويتناقلها الشاب ويتأسف.. وتجمع الآراء على أنهم فقدوا ذلك التقليد وأضاعوا تراثاً مجيداً وعادة طيبة كانت القبائل وبقية الأقاليم يحسدونهم عليها، بدلاً من أن يطوروا هذا المفهوم أصبحوا يعيشون على مبدأ «إلى الخلف سر…». وأصبحت المرأة تفزع لقدوم الرجل.. أو تداري نفسها وتشيح بوجهها…» .
« حصار: لقد أخرجت الحال التي آلت إليها المرأة في أبها، جريدة عكاظ عن وقارها.. لأن مندوبها وكذلك أغلب أهل الرياض كانوا يعتقدون بما كتبه المؤلفون في جميع كتبهم من أن أبها هي المنطقة الوحيدة في المملكة السعودية التي تسير فيها المرأة سافرة..
وحول بعثة العربي كان المطوعون بخيزراناتهم الرفيعة وعشرات الأطفال، يحصون علينا كل خطوة وكل حركة، ويقفون سدا بشرياً ليحولوا بين مصورنا وبين كل امرأة تبيع في السوق…» انتهى النقل عن مجلة العربي.
تجاوز الهابيتوس الصحوي ورؤية الآخر
ويعتقد من يتجاوز «الهابيتوس الصحوي» أنه سيكتشف القدرة على رؤية الآخر فيه، سواء كان هذا الآخر من قرى كردستان أو من بيروت أو صنعاء أو جبال الأطلس؛ فالهابيتوس الصحوي هو الصانع الأول – خلال العقود الماضية – لما يسمى «الهويات القاتلة» بمستوياتها الطائفية والإثنية، وهو ما جعلنا نرى العالم بعيون خائفة من ذاتها قبل أن نخاف من الآخر، ومن يتجاوز هذا الحاجز لا يكتشف الآخر فقط، بل يكتشف الإنسان الذي يكمن في داخله.





