الرئيسيةعربي و عالميحضور خليجي واسع وتأثير محدود: من...
عربي و عالمي

حضور خليجي واسع وتأثير محدود: من يحدد صورة المنطقة في العالم؟

02/08/2026 01:02

لا شك في أن دول الخليج العربية أصبحت طرفاً فاعلاً على الساحة العالمية في مجالات متعددة، من الطاقة والاستثمار إلى الدبلوماسية والرياضة والتقنية والسياحة والتحولات الاجتماعية والثقافية. ولكن السؤال الأعمق لا يتعلق بمدى هذا الحضور، بل بكيفية تفسيره وقراءته، وأين يبلغ تأثيره في المجتمعات المختلفة، والأهم من ذلك: من يملك زمام تحديد المعنى الذي تستقر عليه صورة الخليج في أذهان المواطنين والصحفيين والباحثين وصناع القرار خارج المنطقة؟

حضور إعلامي لا يعني تأثيراً

فدول الخليج تظهر في آلاف الأخبار يومياً، لكنها في أحيان كثيرة تغيب عن المعنى الذي تسعى إليه، مما أتاح لوسائل إعلام غربية أن ترسم الإطار الذي ينظر العالم من خلاله إلى هذه الدول. والحضور الإعلامي الواسع لا يترجم تلقائياً إلى امتلاك التأثير، والانتشار لا يساوي الإقناع، وكثرة الحديث لا تعني القدرة على تغيير رأي الجماهير. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: فالجماهير ليست كتلة واحدة تنتظر رسالة خليجية موحدة، بل هناك جمهور سياسي في واشنطن، وجمهور إعلامي في لندن وباريس، وجمهور اقتصادي في آسيا، وجمهور شاب يتلقى معرفته من المنصات الرقمية، وجمهور أكاديمي يبني مواقفه عبر الدراسات والتقارير، وجمهور في دول الجنوب العالمي ينظر إلى العلاقات الدولية من خلال تجاربه مع الاستعمار والتنمية والسيادة. وبين هذه الجماهير اختلافات داخلية أكبر أحياناً من الاختلافات بين الدول نفسها.

السردية ليست فيما نقوله بل فيما يفكر به الجمهور

ولهذا فإن السردية الخليجية لا تقوم على ما نريد قوله، بل على ما يفكر به الجمهور الذي نريد الوصول إليه والتأثير فيه: ما الذي يعرفه عن الخليج؟ ما الصور المسبقة التي يحملها؟ من يثق به؟ وما السؤال الذي يبحث عن إجابة عنه؟ لذلك يجب على الخطاب الخليجي أن يحدد إطار النقاش، لأن من يحدد هذا الإطار يملك جزءاً كبيراً من القدرة على توجيه نتائجه والتأثير فيه. فإذا ظل الخطاب الخليجي يرد على أسئلة صاغها الآخرون، مستخدماً مفرداتهم وافتراضاتهم، فإنه قد يقدم إجابات قوية، لكنه يظل يعمل داخل إطار لم يصنعه بنفسه.

من توضيح المواقف إلى صناعة المعنى

الأهمية الكبرى تكمن في الانتقال من توضيح المواقف وتبريرها إلى صناعة المعنى، فهذا هو الأساس في التأثير الجماهيري عالمياً. توضيح الموقف نشاط دفاعي يبدأ بعد وقوع الحدث أو ظهور الاتهام، أما صناعة المعنى فهي عمل استراتيجي يحدد مسبقاً كيف نروي الماضي الذي نفتخر به، وكيف نفسر الحاضر الذي نتحكم فيه، وإلى أي مستقبل ندعو العالم الذي نحن من يصنعه. الباحثون في السرديات الاستراتيجية يرون أنها الأدوات التي تستخدمها الدول والفاعلون لبناء فهم مشترك للماضي والحاضر والمستقبل، وتحديد التحديات والغايات والأدوار داخل النظام الدولي. وهذا يعني أن المطلوب – إضافة إلى ما تم إنجازه – بناء سردية تجيب بوضوح عن أسئلة كبرى: من نحن وما التحول الذي نعيشه؟ وما القيمة التي نضيفها إلى العالم؟ وما نوع النظام الإقليمي والدولي الذي نؤمن به؟ وكيف تتصل مصالحنا بمصالح الإنسان خارج الخليج؟

دروس من التجارب الدولية

التجارب الدولية تبين أن الدول لا تؤثر في رأي الجماهير إلا عندما تجمع بين السياسة والمصداقية والثقافة والعلاقات طويلة المدى، وهذا ما تتميز به دول الخليج التي أصبحت من أكثر الدول مصداقية في كثير من الملفات السياسية. وقد عرف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على تحقيق النتائج عن طريق الجاذبية بدلاً من الإكراه أو الدفع، مؤكداً أن مصادرها تكمن في الثقافة والقيم والسياسات عندما تبدو مشروعة وجذابة، وهذا أحد المعاني التي لا بد من تصديرها بسردية عالمية. وتكشف التجارب الدولية أن التأثير الناجح يقوم على وحدة المعنى وتعدد الأصوات. فقد جمعت بريطانيا عبر حملة GREAT مؤسسات التجارة والسياحة والتعليم والثقافة تحت مظلة سردية واحدة، بينما بنت كوريا الجنوبية جاذبيتها من خلال الموسيقى والدراما والسينما والطعام والتقنية، أما إستونيا فحولت تقدمها الرقمي إلى تجربة قابلة للزيارة والتعلم، فأصبح الإنجاز نفسه أداة اتصال دولية. بالنسبة للسردية الخليجية، لا بد أن تعمل على إنشاء منظومة مؤسسية تبدأ بالاستماع إلى الجماهير الدولية وتحليل اهتماماتها ومصادر ثقتها، ثم بناء سردية تتكون من ثلاث طبقات: هوية تشرح خصوصية الخليج، ودور يبين مساهمته في الأمن والاقتصاد والطاقة والتنمية العالمية، ومستقبل يوضح كيف يفيد تحوله العالم والجماهير. ويجب أن تقوم هذه السردية على قاعدة أن الخليج هو المستقبل للعالم، وأن تختلف الزاوية والقناة باختلاف الجمهور، مع إشراك الباحثين والمبدعين والجامعات ورواد الأعمال والطلاب والشركاء الدوليين في روايتها. كما ينبغي تحويل الإنجازات الخليجية إلى خبرات وتجارب، وتسويقها بخطاب يدرس في الجامعات ومراكز التفكير. نجاحنا لا بد أن يقاس بتغير الأطر الإعلامية التي يعرفنا بها العالم وزيادة الاستشهاد بالمصادر الخليجية، وتحول الاهتمام إلى تعاون أو استثمار. فالتأثير الحقيقي يبدأ حين تصبح القصة والرواية الخليجية قابلة لأن يعيد الآخرون روايتها بلغاتهم ومن داخل تجاربهم.