الرئيسيةعربي و عالميمعركة التضخم.. لماذا أصبحت أكثر تعقيداً؟
عربي و عالمي

معركة التضخم.. لماذا أصبحت أكثر تعقيداً؟

19/09/2026 01:01

تخوض البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم واحدة من أصعب تجارب السياسة النقدية منذ عقود، حيث يتساءل الخبراء والأسواق عما إذا كانت الأدوات التقليدية لكبح التضخم لا تزال قادرة على احتواء المشكلة أم أن هيكل التضخم الحالي تجاوز نطاق تأثيرها.

بعد مرور أكثر من أربع سنوات على أكبر موجة تضخم شهدها العالم منذ عقود، باتت الصورة أكثر تعقيداً مما كانت عليه في عامي 2022 و2023. فبينما نجحت البنوك المركزية في تهدئة جزء كبير من الضغوط الناجمة عن الطلب من خلال رفع أسعار الفائدة بقوة، يرى عدد متزايد من الاقتصاديين أن التضخم الحالي لم يعد مجرد نتيجة لإنفاق المستهلكين والشركات، بل يرتبط أيضاً بعوامل هيكلية على جانب العرض، مثل اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية وإعادة تشكيل التجارة العالمية.

تمييز بين تضخم الطلب وتضخم العرض

التضخم الناجم عن الطلب يحدث عندما يتجاوز الطلب الكلي قدرة الاقتصاد على الإنتاج، فتتنافس الأسر والشركات على السلع والخدمات وترتفع الأسعار. هذا النوع هو الأكثر استجابة للسياسة النقدية التقليدية، لأن رفع الفائدة يقلل الاقتراض والإنفاق والاستثمار. أسبابه تشمل النمو الاقتصادي السريع، التوسع في الإنفاق الحكومي، زيادة السيولة والإقراض، وارتفاع ثقة المستهلكين. عادة ما يرافق هذا التضخم ارتفاع في معدلات التشغيل والنمو الاقتصادي، وكفاءة البنوك المركزية فيه عالية جداً.

أما التضخم الناجم عن العرض فينتج عن ارتفاع تكاليف الإنتاج أو تراجع القدرة الإنتاجية بسبب صدمات خارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة، اختناقات سلاسل التوريد، الحروب أو الكوارث الطبيعية. في هذه الحالة ترتفع الأسعار حتى لو كان الطلب ضعيفاً نسبياً، ما يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر صعوبة. أسبابه تشمل صدمات أسعار الطاقة والنفط، النزاعات الجيوسياسية، اضطراب سلاسل التوريد، وزيادة أسعار المواد الخام. هذا النوع يؤدي إلى ارتفاع الأسعار مع تباطؤ النمو أو انكماشه (حالة الركود التضخمي)، وكفاءة السياسة النقدية فيه محدودة لأن الفائدة المرتفعة لا تستطيع إنتاج المزيد من النفط أو حل مشكلات الشحن البحري، بل قد تزيد أعباء تمويل الشركات.

كانت موجة التضخم العالمية بعد جائحة كورونا مثالاً واضحاً على تفاعل النوعين معاً، حيث أدى الدعم المالي والنقدي الضخم إلى تعزيز الطلب، بينما تسببت أزمة أوكرانيا وتوترات الشرق الأوسط وما صاحبها من اضطرابات في الشحن ونقص في العمالة وارتفاع لأسعار الطاقة في تقييد العرض.

تقييمات المؤسسات الدولية للتضخم

وفقاً لأحدث تحديثات صندوق النقد الدولي، فإن مسار تراجع التضخم العالمي الذي بدأ في 2024 تباطأ خلال 2026، مع توقع ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.7 بالمئة هذا العام قبل أن يتراجع مجدداً في 2027. ويربط الصندوق ذلك بارتفاع أسعار الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية وتزايد مخاطر سلاسل التوريد.

كما حذر البنك الدولي من أن صدمات الطاقة الأخيرة أعادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة، مشيراً إلى أن مزيج التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الأبطأ يفرض تحديات معقدة على صناع السياسات في الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

من جانبها، أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة والسلع الأساسية قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة سريعاً، ما يعني بقاء السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول مما كانت الأسواق تتوقع.

تحديات السياسة النقدية والحلول المقترحة

الإجابة المختصرة على سؤال ما إذا كانت البنوك centrales على الطريق الصحيح هي: نعم جزئياً، لأنها تواجه معضلة استثنائية؛ إذ إن الموجة التضخمية الراهنة مزيج مركب بين جانبي الطلب والعرض. فقد نجحت هذه البنوك الكبرى في كبح جزء مهم من التضخم المرتبط بالطلب من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة، وهو ما ساعد في منع تحول الصدمة التضخمية إلى دوامة مستمرة من ارتفاع الأجور والأسعار.

لكن المشكلة تكمن في أن السياسة النقدية لا تستطيع إنتاج مزيد من النفط أو إصلاح سلاسل الإمداد أو إنهاء النزاعات الجيوسياسية. ولذلك فإن رفع الفائدة يحد من الطلب، لكنه لا يعالج جذور الصدمات التي تضرب جانب العرض.

ويشير بحث حديث صادر عن صندوق النقد الدولي إلى أن البنوك المركزية تواجه معضلة حقيقية عند التعامل مع صدمات العرض: هل تتجاهل الأثر المؤقت لهذه الصدمات أم تشدد السياسة النقدية لمنع انفلات توقعات التضخم؟ ويحذر التقرير من أن التأخر في اتخاذ القرار قد يكون مكلفاً للغاية.

ويرى خبراء في بنك التسويات الدولية (BIS) أن العالم يدخل مرحلة تتزايد فيها ضغوط العرض مقارنة بالعقود السابقة، بفعل عدة عوامل: تراجع العولمة وارتفاع القيود التجارية، التوترات الجيوسياسية وإعادة رسم سلاسل التوريد، التحول إلى الطاقة النظيفة وما يرافقه من استثمارات ضخمة، الشيخوخة السكانية ونقص العمالة في بعض الاقتصادات، والتأثيرات المناخية على الغذاء والطاقة. هذه العوامل قد تجعل التضخم أكثر تقلباً وأكثر مقاومة للسياسات النقدية التقليدية مقارنة بما كان عليه خلال العقدين السابقين.

الخلاصة: رغم أن البنوك المركزية حققت تقدماً ملموساً في احتواء التضخم الناجم عن الطلب، فإن المعركة لم تُحسم بعد. فالتضخم الحالي بات يحمل مكونات هيكلية مرتبطة بالطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية وسلاسل الإمداد، وهي عوامل لا يمكن لأسعار الفائدة وحدها معالجتها.

وبالتالي فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت البنوك centrales تتخذ الإجراءات الصحيحة، بل ما إذا كانت أدواتها التقليدية كافية للتعامل مع اقتصاد عالمي أصبحت فيه صدمات العرض أكثر تكراراً وتأثيراً.

وتشير أحدث تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التسويات الدولية إلى أن السيطرة المستدامة على التضخم ستتطلب مزيجاً من السياسة النقدية والانضباط المالي والاستثمارات التي تعزز مرونة الاقتصاد وسلاسل التوريد، وليس الاعتماد على الفائدة وحدها.