الرئيسية›عربي و عالمي›بعد 151 عاماً.. مدرسة عثمانية في...
عربي و عالمي

بعد 151 عاماً.. مدرسة عثمانية في إسطنبول تحتفظ بنقش نادر ونافورة تاريخية

19/10/2026 07:24

في قلب مدينة إسطنبول، تواصل مدرسة صوقوللي محمد باشا الابتدائية أداء رسالتها التعليمية منذ مئة وواحد وخمسين عاماً، محتفظةً بنقش عثماني نادر ونافورة تاريخية، فضلاً عن ملامح معمارية تعود إلى القرن التاسع عشر.

تقع المدرسة في منطقة أوسكودار، وتقف شاهداً على مراحل متعددة من تاريخ التعليم في المدينة، منذ افتتاحها في عام 1875 تحت اسم “مدرسة طوبطاشي الرشدية العسكرية”.

هذه الحلقة من ملف وكالة الأناضول “مدارس عريقة” تسلط الضوء على مؤسسة تعليمية ذات تاريخ طويل، تتميز بنقش تاريخي ونافورة أثرية في حديقتها القديمة، إضافة إلى احتفاظ مبناها بسمات معمارية عثمانية.

بدايات عسكرية وتحولات مدنية

بدأت المدرسة مسيرتها التعليمية في عهد السلطان عبد العزيز، كواحدة من تسع مدارس رشدية عسكرية افتتحت في إسطنبول، وذلك في الموقع الذي كان يضم سابقاً مبنى “التبخانه”، وهو جناح مخصص لاستضافة المسافرين وإيواء المحتاجين، ضمن مجمع خيري أنشأه والده.

في عام 1875، كانت “مدرسة طوبطاشي الرشدية العسكرية” الإعدادية نهارية وتضم أربعة صفوف، وبلغ عدد طلابها 148 طالباً في العام التالي. وكان الطلاب يرتدون الزي العسكري ويتلقون دروساً في الرسم واللغات العربية والفارسية والفرنسية.

بعد تحويل “مدرسة باشا قابي العسكرية الرشدية” إلى مدرسة مدنية إعدادية في عام 1893، أصبحت مدرسة طوبطاشي المدرسة العسكرية الوحيدة من هذا المستوى في أوسكودار، وواصلت عملها حتى عام 1914.

مع إعلان المشروطية الثانية في الدولة العثمانية، وهي المرحلة التي شهدت إعادة العمل بالدستور واستئناف الحياة البرلمانية، بدأت عملية إلغاء المدارس العسكرية الرشدية تدريجياً، وتحولت المدرسة إلى مؤسسة مدنية حملت اسم “مدرسة صوقوللي النموذجية”.

في عام 1926 تغير اسمها إلى “المدرسة الابتدائية الخامسة عشرة في أوسكودار (طوبطاشي)”، ثم حملت في عام 1948 اسم “مدرسة صوقوللي محمد باشا الابتدائية”. وتحولت في عام 1997 إلى مدرسة للتعليم الأساسي، قبل أن تعود إلى وضعها مدرسة ابتدائية في عام 2013.

نقش عثماني فريد ونافورة أثرية

تضم الواجهة الحجرية للمبنى المكون من طابقين أحد أبرز معالم المدرسة التاريخية، وهو نقش مثبت فوق بوابة المدخل. يظهر فوق الباب شعار يرمز إلى الدولة العثمانية، إلى جانب طغراء السلطان عبد العزيز، وهي توقيع رسمي مزخرف، فيما تحمل لوحة أسفلها عبارة “مكتب رشدية عسكرية”.

بين اللوحة وقوس المدخل، يوجد نقش شعري مؤلف من ثمانية أبيات، يعد من أهم العناصر التاريخية في المدرسة. وتتميز المدرسة بكونها واحدة من عدد محدود من المدارس التي لا تزال تحتفظ بنقشها الأصلي، كما أنها الوحيدة التي تضم نقشاً تاريخياً منظوماً. ويتناول النقش أهمية التعليم في نظر السلطان عبد العزيز، واهتمامه بافتتاح مدارس الرشدية في مناطق مختلفة.

من المعالم التي تكمل الطابع التاريخي للمدرسة نافورة “آجي جشمه” الموجودة في حديقتها، وقد أطلق عليها السكان هذا الاسم بسبب مذاق مياهها المائل إلى المرارة. شيدت النافورة في عام 1855 بأمر من قائمقام المنطقة أمين بك، لتحل محل نافورة أقدم كانت موجودة في الموقع. مع مرور الزمن، طمرت أجزاء كبيرة منها تحت التراب والأسفلت، قبل تنفيذ أعمال أسهمت في إظهارها مجدداً وإعادتها إلى مكانها في حديقة المدرسة.

كما تحتفظ البنية الداخلية للمبنى بسمات معمارية تعود إلى العهد العثماني، من بينها الممرات ذات الأسقف المرتفعة، وأبواب الصفوف المقوسة، والفناء الداخلي.

إدارة المدرسة: أمانة تاريخية وأنشطة معاصرة

مدير المدرسة مراد أوزغن يقول لمراسل الأناضول إن المبنى أنشئ في سبعينات القرن التاسع عشر بأمر من السلطان عبد العزيز ليكون “مدرسة طوبطاشي الرشدية العسكرية”، أي مدرسة متوسطة عسكرية. ويوضح أن الموقع كان يضم قبل بناء المدرسة داراً من تصميم المعماري العثماني معمار سنان، كانت تستخدم لإقامة المرضى خلال فترة النقاهة على نحو يشبه المصحات في الوقت الحاضر، وكذلك لإيواء المحتاجين وعابري السبيل.

يضيف أوزغن أن مبنى المدرسة شيد باستخدام مواد بناء مستخرجة من ذلك المبنى القديم. ويتابع: “منذ سبعينات القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، عملت المدرسة مؤسسة تعليمية رشدية عسكرية، ثم أصبحت مدرسة صوقوللي محمد باشا النموذجية، ومنذ ذلك الحين واصلت التعليم الابتدائي”.

يشير أوزغن إلى أن المدرسة تضم حالياً 350 طالباً وتنشط أيضاً في الأنشطة اللامنهجية، مؤكداً الأهمية التي توليها للفنون الشعبية والتراث الثقافي. يقول: “تُعد الرقصات الشعبية المرتبطة بثقافتنا جزءاً لا غنى عنه من أنشطتنا، نوليها أهمية كبيرة ونشكل كل عام – بحسب إقبال الطلاب – 6 أو 7 فرق للرقص الشعبي”. ويوضح أن هذه الفرق تشارك في المناسبات والأيام التذكارية والأعياد الوطنية، وتقدم التراث الفولكلوري لأولياء الأمور.

ويلفت إلى أن المدرسة تقدم أيضاً أنشطة في البرمجة الروبوتية، ودروساً في القرآن الكريم بحسب رغبة الطلاب، بدعم من مركز التعليم الشعبي، وحصصاً في الدراما، وجميعها أنشطة تُقام خارج إطار الدروس الأساسية.

يتحدث أوزغن عن شعوره بالعمل في مدرسة تاريخية، قائلاً: “لدينا عند المدخل بوابة تاريخية، وفوقها نقش أثري. أشعر بالحماس كلما مررت من هناك، ويمنحني ذلك شعوراً بالسعادة”. ويردف: “إنها مدرسة عمرها أكثر من مئة عام، بل أقدم من ذلك، لذلك ننظر إليها أولاً بوصفها أمانة في أعناقنا”. ويختم حديثه بالقول: “نريد أن يظل هذا المبنى فعالاً بكل أجزائه، ولذلك نتفقد كل شيء، من الأبواب والنوافذ إلى طبقات الطلاء، ونتحقق من سلامة عناصره الإنشائية. فالحفاظ عليه وصونه أمران مهمان، ونحرص على عدم الخروج عن المعايير المعتمدة، وحتى عند إجراء أي إصلاح أو ترميم، نلتزم بالشكل الأصلي للمبنى ونحصل على التصاريح اللازمة”.