الرئيسيةعربي و عالميالفتوحات الإسلامية: صراع إمبراطوريات لا حروب...
عربي و عالمي

الفتوحات الإسلامية: صراع إمبراطوريات لا حروب شعوب

20/05/2026 19:02

في تحليل جديد للفتوحات الإسلامية، يرى باحثون أن النظر إليها يجب أن يتم من منظور الصراع بين الإمبراطوريات المتنافسة (العربية والفارسية والرومانية)، حيث أن الجيوش العربية لم تحارب شعوباً بسيطة أو سكاناً محليين أو أتباع أديان، بل واجهت قوات عسكرية تابعة لإمبراطوريات. فعمرو بن العاص عندما توجه بجيوشه نحو مصر، كان في الحقيقة يتجه لمواجهة الإمبراطورية الرومانية المتمركزة في مصر، وليس لمحاربة الأقباط العاديين أو أتباع المسيحية فيها.

عمر بن العاص ومواجهة الإمبراطورية الرومانية

يوضح التحليل أن فتح مصر لم يكن مواجهة مع المصريين أو الأقباط، بل مع جيوش الإمبراطورية الرومانية. وبالتالي، فإن تعامل المصريين والأقباط مع جيش عمرو بن العاص لم يكن بوصفه «غزاة جدد»، بل نظر إليه كقوة جديدة قد تكون أفضل من القوة الرومانية القديمة.

منطق الإمبراطوريات وموقفها من الدول

في كتاب «الإمبراطوريات، منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية»، يقول الباحث الأميركي في العلوم السياسية (فريدريك كوبر) في حديثه عن الفرق الجوهري بين الإمبراطورية والدولة: «ليس هناك إمبراطورية تستطيع اتخاذ موقف حاد إزاء الدول التي تنتمي إلى مجال نفوذها. وتأسيساً على ذلك، فإن الإمبراطورية مجبرة بذاتها على عدم الاعتراف بحدود هذه الدول أو التدخل في شؤونها بحكم كونها إمبراطورية. هذا الموقف الحاد موجود فقط في إطار نظام عالمي يتميز بنموذج الدولة ذات السيادة».

العالم القديم كان محكوماً بمنطق الإمبراطورية، وهذا المنطق حاسم جداً في فهم الفتوحات الإسلامية والتوسع بالنسبة للإمبراطوريات الكبرى. ليس استثناءً، بل شرط بناء عالم يُعد مجالاً مفتوحاً للصراع على النفوذ والهيمنة، وبالدرجة الأولى صراع على البقاء والاستمرارية. التوسع الجغرافي لمنطق الإمبراطورية لا ينظر إليه بمنطق أخلاقي بسيط، فالتوسع في العصور القديمة – أحياناً – كان ضرورة بيولوجية لحماية الأطراف، أو منع صعود المنافسين والقوى التي تتعامل مع بدء الحدود التي تتعرض للانهيار والتفكيك.

لماذا لم يلتزم المسلمون بحدودهم؟

عندما يُطرح سؤال ساذج: لماذا لم يلتزم المسلمون بحدودهم؟ فإن الحقيقة تسأل سؤالاً حديثاً يصلح في المجتمعات الحديثة فقط، موقعاً مكانه منطق الحاضر في عالم لم يعرف أصلاً فكرة الحدود الوطنية الثابتة. الجيوش الإسلامية عندما تحركت نحو الشام كانت تواجه: إما حكاماً ونظاماً ضريبياً وإدارة إمبراطورية قائمة، أو أن السكان المحليين نظروا للجيوش الإسلامية كغزاة غرباء، بل كقوة جديدة قد تحررهم من القوة السابقة. بعبارة أخرى، الجيوش العربية لم تواجه مقاومة شعبية كما نعرفها في المجتمعات الحديثة.

الفتوحات الإسلامية كمشروع حضاري

كانت الفتوحات الإسلامية مشروعاً حضارياً شاملاً نشأ داخل عالم الإمبراطوريات الكبرى، وإنها تختلف عن بنية الإمبراطوريات (الرومانية/الفارسية) من ناحية مصدر الشرعية والرؤية الكونية. الفتح الإسلامي المبكر حمل تصورات مختلفة وسبق الاهتمام بها دولياً: عربي وغير عربي يمكن – نظرياً – أن يصبح جزءاً من الأمة نفسها. كانت الأهداف الرئيسية لنشر العقيدة الدينية الجديدة، ما تحقق بعد ذلك من مكاسب سياسية واقتصادية مجرد نتائج تحققت بالتبعية.

كانت الإمبراطورية الإسلامية فضاءً حضارياً متعدد الأعراق والأديان، منفتحاً للعلم والمعرفة والهندسة المعمارية، وصنعت مزيجاً ثقافياً فريداً تراكم حضارياً وشبكات معرفية واسعة، شاركت فيها شعوب ذات أصول ثقافية وعرفية مختلفة.

الفتوحات الإسلامية لا يمكن فهمها بأدوات وعقول المجتمعات المعاصرة أو باعتبارها رسالة روحية خالصة، بل باعتبارها ظاهرة دولية حضارية، تشكلت داخل نظام عالمي محكوم بمنطق الإمبراطورية الذي كان التوسع والقوة جزءاً من طبيعته وتكوينه.