الرئيسيةعربي و عالميبين الالتزام بالوعود ومراعاة الأخلاق: كيف...
عربي و عالمي

بين الالتزام بالوعود ومراعاة الأخلاق: كيف تتصرف إذا كان العقد خاطئاً؟

20/05/2026 21:02

يثير موضوع الوفاء بالوعود الخاطئة أو السيئة أو غير الأخلاقية جدلاً واسعاً في الأوساط الفقهية والأخلاقية. ففي الوقت الذي يُصر فيه الطرف الثاني (الموعود) على إلزام الطرف الأول (الواعد) بتنفيذ وعده، يجد الواعد نفسه أمام تناقض أخلاقي: هل يفي بما وعد به حتى لو كان هذا الوعد باطلاً؟ وهل يمكن أن يكون النكول عن الوعد في هذه الحالة مبرراً؟

جوهر المشكلة: متى يكون الوعد خاطئاً؟

يذهب البعض إلى أن الغالبية العظمى من الناس تتعامل مع الوعد أو التعهد على أنه أمر واضح لا لبس فيه، ولا يمكن التراجع عنه مهما كانت الظروف. لكن الواقع يفرض حالات يصبح فيها الوفاء بالوعد أمراً مشيناً أو غير أخلاقي، وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل يجب أن نتمسك بالوعد حتى لو كان تنفيذه سيسبب ضرراً أو شراً؟

تحت هذه القضية ثلاثة محاور رئيسية تستحق التأمل:

أولاً: تدور المسألة حول كيفية تقدير الأخلاق ووجهات النظر. فإذا كان الواعد يرى أن الوفاء بالوعد سيكون أمراً سيئاً أو مشيناً أو ضاراً، وتراجع عنه أو رفض تنفيذه بدعوى أنه في نظره أمر غير أخلاقي، فهل يحق له ذلك؟ هنا ينشأ الصراع لأن الموعود قد لا يشاركه هذه النظرة، بل قد يعتبر أن مجرد التفكير في النكول عن الوعد هو الخطأ بعينه.

ثانياً: ماذا لو أصر الموعود على تهديد الواعد التائب أو المتراجع أو النادم، ومارس ضغوطاً شديدة أو تسبب في مشكلة كبيرة جداً قد يكون ضررها أكبر بكثير من الالتزام بالوعد الخاطئ؟ هل يستطيع الواعد هنا التمسك بقاعدة ‘لا ضرر ولا ضرار’؟ وماذا لو كان الوفاء بالوعد سيؤدي إلى إضرار بمجتمع كامل أو ببرئ آخرين؟

ثالثاً: ماذا لو كان هناك أشخاص آخرون على علم بالموضوع؟ إن عدم الوفاء بهذا الوعد – رغم كونه خاطئاً وسيئاً في نظر الواعد – قد يهز ثقة الكثيرين به، خاصة إذا كانت هذه الثقة مرتبطة بأمور أخرى كثيرة إيجابية وضرورية في الواقع.

قاعدة ‘درء المفاسد’ وتدرج الحلول

أعتقد أن قاعدة الأصوليين المشهورة ‘درء المفاسد مقدم على جلب المصالح’ تمثل حلاً جيداً، فالظروف والضغوط قد تكون أحياناً أكبر أو أقوى، ويكون الحكم وفق النظر في التدرج التالي:

1- تحديد طبيعة الوعد السيئ: إذا كان الوعد السيئ في محرماته أخف من الكذب والخداع، ولن يترتب عليه أضرار على الآخرين، وكان مجرد مساس بأمر لا يحرم المساس به، ودرجة سؤاله أقل من درجة الكذب والخداع لدى الواعد، ولا توجد مصلحة راجحة تستدعي الوفاء به، فإنه يجب عليه – في نظري – الوفاء به. وذلك حتى لا يتهم بأنه ليس أمراً جيداً أو حسناً، ما دام الأمر يدخل في دائرة التقدير واختلاف وجهات النظر.

2- معادلة الضرر: أما إذا كان الثقل في السوء أو الضرر أو الشر متعادلاً أو مقارباً، فإنه يجب محاولة إقناع الموعود بالحوار والمنطق، مع ضرورة السعي لاستنفاذ كل الوسائل التي تمنع الإعراض أو التهديد الذي قد يترتب عليه ضرر أكبر.

3- إصرار الموعود وطلب البديل: إذا أصر الموعود، وتبين لمن حاول إقناعه أنه قد يفعل شيئاً ذا ضرر قائم يكون ضرره أكبر من ضرر الوفاء بذلك الوعد، فلا مانع من إرضائه بطريقة أخرى، وتعويضه بصورة أخلاقية وسليمة، تجعله يقتنع ويقبل ويترك الوعد الأساسي غير السليم. وبالإمكان الوصول إلى صور تعويضية سليمة كثيرة، لكن الإنسان يحتاج إلى حكمة وهدوء وتفكير، وسيُهدى إليها بإذن الله.

4- البحث عن وسيط: إذا رفض الموعود كل المحاولات، قد يكون من المناسب البحث عن شخص مقرب ذي نفوذ، يحاول إقناعه بأن الوفاء بالوعد سيضره في نفسه أو ماله أو غيره، وقد يورطه في مشاكل قانونية أو يشوه سمعته أو يُدخله السجن. كما يمكن الاحتجاج عليه بتغير الظروف التي بُني عليها الوعد، أو أن أموراً ظهرت لم تكن ظاهرة في البداية.

5- الاعتذار والنكول: إذا لم يجد الواعد حيلة للخلاص من الوعد الذي ثبت أنه سيئ أو قبيح، فلا يجب عليه الوفاء به إذا كان فيه شر أو خطأ أخلاقي أو ضرر كبير واضح. بل يجب عليه أن يواجه الموعود بهدوء ويسحب وعده تماماً بعد أن يكون قد قام بكل ما يستطيع، وأن يصوغ له اعتذاره بعناية، مثل أن يقول: ‘سامحني وأنا لا أستطيع الوفاء لأن ضميري لا يقبل، وأعتذر لك عن التسرع في الوعد’.

6- العذر في ظروف خاصة: إذا لم تنجح الأساليب والحيل، وأدرك الواعد الراغب في التوبة أو التراجع أن الموعود سيرتكب رد فعل عنيفاً أو خطراً أو مضراً جداً، وأن ضرره سيكون أكبر من ضرر الوفاء بذلك الوعد الخاطئ، فلا يبعد – في رأيي – أن يُعذر إذا أقدم على تنفيذ الوعد الخاطئ أو السيئ. ولكن بشرط أن يبذل بصدق كل ما في وسعه لمنع هذا الوفاء، وألا يقصر في محاولاته، وأن يكون الوفاء جزئياً بقدر الإمكان، وأن يكون من حجته أن شعوره بشرط إزالة خطر الموعود أو دوافعه ارتأى ما هو أكثر سوءاً أو خطأ أو ضرراً.