الرئيسيةعربي و عالميحل قوات سوريا الديمقراطية واندماجها في...
عربي و عالمي

حل قوات سوريا الديمقراطية واندماجها في المؤسسات السورية: دوافع وتداعيات

29/08/2026 03:01

الخلفية والإعلان عن الحل

في يوم الثلاثاء 24 أغسطس/آب، أعلن القائد الكردي السوري مظلوم عبدي من القصر الرئاسي في دمشق حل قوات سوريا الديمقراطية التي تأسست عام 2015 وشكلت شريكاً رئيسياً في القتال ضد «الدولة الإسلامية». جاء هذا الإعلان في إطار اتفاق مع الرئيس السوري أحمد الشرع يهدف إلى إنهاء وجود هياكل عسكرية كردية مستقلة، ويحظى بدعم الولايات المتحدة التي كانت الحليف الرئيسي السابق للقوات.

العوامل التي أدت إلى الحل

منذ عدة أشهر كانت دمشق والإدارة الكردية تتفاوضان بشأن تنفيذ اتفاق أُبرم في يناير/كانون الثاني 2026، والذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية. يمثل تفكيك قوات سوريا الديمقراطية أحد أبرز التنازلات التي قدمها مظلوم عبدي، في وقت تسعى سلطة دمشق إلى إعادة فرض سلطتها على كامل البلاد. خلال سنوات الحرب سيطرت القوات تدريجياً على مساحات واسعة من شمال البلاد وشمال شرقها، حيث أقامت إدارة ذاتية غالبًا ما تُشار إليها بـ«روج آفا». وفقًا لوسيم نصر، الصحفي في فرانس24 المتخصص في الشأن السوري، فإن عدة عوامل تفسر هذا الاتفاق، منها الانتكاسات العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، وتغير موازين القوى مع دمشق، والتراجع التدريجي للدعم الدولي لها.

التفاصيل المحيطة بالقرار

في يناير/كانون الثاني 2026 شنت القوات السورية سلسلة هجمات حاسمة في الأحياء الكردية بمدينة حلب وفي شمال شرق البلاد، وطردت خلال أقل من أسبوعين قوات سوريا الديمقراطية من نحو 80% من الأراضي التي كانت تسيطر عليها، وذلك دون إراقة كبيرة للدماء. لم تتمكن قوات سوريا الديمقراطية طوال أكثر من عقد من كسب قلوب السكان العرب أو استمالتهم، وهم يشكلون الأغلبية الساحقة في المناطق التي مارست فيها سلطتها عبر ما كان يُعرف بالإدارة الذاتية، وبدأ هؤلاء السكان يميلون تدريجياً إلى السلطة الجديدة. كان هذا من بين العوامل التي مكّنت مستشار الشرع المكلف بالشؤون العشائرية والقبلية، جهاد عيسى الشيخ، من إقناع العناصر العربية في قوات سوريا الديمقراطية بتغيير ولائها عبر الصلات العشائرية، ما يفسر جزئياً نجاح الحملة العسكرية الخاطفة التي جرت في يناير/كانون الثاني.
وبالتالي أصبح موقف مظلوم عبدي بالغ الصعوبة بعد هذه الانتكاسات التي برهنت عن قصر نظر سياسي وقراءة خاطئة للتوازنات الجديدة بعد تبني الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي لسلطة دمشق الجديدة، وهذا ما عبر عنه الرئيس الفرنسي من قلب العاصمة السورية récemment. اضطر عبدي، وبفعل الواقعية، إلى تقديم تنازلات مهمة مقارنة بمطالبه القصوى مثل اللامركزية الكاملة بعد سقوط نظام الأسد. ومن جهة أخرى ضمنت دمشق للأكراد الاعتراف بعيد النوروز وباللغة الكردية كلغة وطنية، إضافة إلى حق من حُرموا من الجنسية السورية في التقدم بطلب للحصول عليها، وهي حقوق لم يتمكنوا من الحصول عليها في عهد الأسد.
وعلى الأرض أصبح سيبان حمو، وهو شخصية مهمة في حزب العمال الكردستاني ومن مؤسسي وحدات حماية الشعب الكردية، نائبا لوزير الدفاع السوري للمناطق الشرقية.

آراء الأكراد ومستقبل مظلوم عبدي

يمكن رصد رأيين رئيسيين حول مظلوم عبدي الذي أعلن بنفسه حل قوات سوريا الديمقراطية. هناك من يراه اتخذ الخيارات الأكثر براغماتية في ظل الظروف الراهنة، لا سيما مع تراجع الدعم الدولي مالياً وسياسياً، والدليل على ذلك زيارته الأخيرة إلى باريس التي نُظمت عشية زيارة إيمانويل ماكرون إلى سوريا، حيث التقى وزير الخارجية الفرنسي دون أي تصريح رسمي وجرت في سرية تامة، وهو أمر يحمل دلالة كبيرة.
وبالنسبة إلى أنصار هذا التوجه فقد اتخذ مظلوم عبدي القرارات الصائبة لتجنب إراقة الدماء والحفاظ على المكتسبات التي أعطتها دمشق. في المقابل يرى آخرون أنه خان القضية الكردية ولم يعد يمثل مصالحهم.
ويضع هذا الحل، بحكم الأمر الواقع، حداً للوهم القائل إن قوات سوريا الديمقراطية، التي كانت مهمتها الرسمية المعترف بها تقتصر على محاربة جهاديي تنظيم «الدولة الإسلامية»، كان بإمكانها في نهاية المطاف إقامة حكم ذاتي في «روج آفا». ومع ذلك فإن هذه الاتهامات ليست جديدة، فقد ظهرت بالفعل عندما بدأ مظلوم عبدي التفاوض مع أحمد الشرع في دمشق، أي بعد أيام معدودة من سقوط نظام الأسد.
كما أن تخليه عن الزي العسكري يبعث بإشارة واضحة بشأن مستقبله، الذي يبدو أنه يتجه نحو اعتماد العمل السياسي. فقد عيّنه أحمد الشرع مستشاراً رئاسياً للشؤون الكردية.
وللرئيس السوري ثلاثة مستشارين آخرين، بعضهم من رفاقه السابقين في المرحلة التي كان يقود فيها هيئة تحرير الشام أي جبهة النصرة سابقاً، أو من المقربين جداً منه.
وبتعيينه في هذا المنصب أصبح مظلوم عبدي بالتالي في قلب السلطة السورية. وفي هيكل السلطة السورية الحالي يُعدّ منصبه أكثر أهمية من بعض المناصب الوزارية، لكن العبرة بما سيلي لتقويم مدى انخراطه في صناعة القرار في ما يخص المكون الكردي الذي لا يمكن اختصاره بأنصار قوات سوريا الديمقراطية أو حزب العمال الكردستاني.

التحديات المحتملة لتنفيذ الاتفاق

قد تؤدي توترات أهلية إلى إفشال العملية. فالشعور بأن مجموعة معينة قد تعرضت للغبن يمكن أن يغذي مشاعر الإحباط، ولا سيما داخل الأغلبية السنية التي قد يتساءل بعض أفرادها عن سبب تقديم تنازلات للأكراد بينما يرون أنهم هم من كسب الأرض، وبالتالي لا ينبغي أن يكونوا الطرف الذي يقدم التنازلات.
عودة ستين ألف نازح عربي من منطقة عين العرب – كوباني، إلى جانب الحوار مع العشائر الكردية الذي أسسه وأقامه مجد الدين الشيخ قائد الأمن الداخلي لمنطقة عين العرب – كوباني، يساهمان في تهدئة الأوضاع. إلا أنه لا ينبغي استبعاد خطر حدوث اضطرابات يثيرها أكثر العناصر تشدداً داخل حزب العمال الكردستاني مثل «الشبيبة الثورية»، الذين يرون أن دمشق حصلت على تنازلات أكثر مما ينبغي، وأن القضية الكردية قد تم التضحية بها.
لكن هناك أيضاً حالة من الاستياء لدى السكان العرب الذين ما زالوا يعانون من تبعات النظام الذي أقامته قوات سوريا الديمقراطية، كما هو الحال في مدينة الحسكة.
وأخيراً قد يواجه تنفيذ الاتفاق صعوبات تقنية، ولا سيما بسبب صعوبة توحيد الأنظمة والهياكل المختلفة. كما أن تطبيق الاتفاق يختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى.

حالة التكامل على الأرض

في كوباني أصبح الاندماج بين قوات الشرطة الكردية وقوات دمشق أمراً فعلياً، إذ تم دمج العناصر الكردية والعربية ووضعها تحت سلسلة قيادة واحدة تابعة للسلطة. إلا أن دمج القوات العسكرية الكردية لم يتم بعد، بسبب عدم توفر الهياكل المناسبة.
ومع ذلك لا تزال هناك توترات، ولا سيما في المناطق العربية حيث لا يزال السكان يحملون قدراً كبيراً من الاستياء تجاه القوات الكردية السابقة. ويسمح إصرار إدارة الأمن الداخلي على الإبقاء على وحدات مشتركة في هذه المناطق تحديداً بفرض الواقع الجديد واحتواء مختلف الأطراف.
أما في الحسكة والقامشلي فبدلاً من حدوث اندماج فعلي تجري عملية انضواء. أي أن عناصر قوات سوريا الديمقراطية السابقة ما زالت إلى حد كبير في مواقعها، لكن تغيّر وضعها الرسمي وزيّها العسكري، من خلال انتقالها رسمياً إلى إمرة السلطة، وتحديداً وزارتي الدفاع أو الداخلية السورية.
ويكمن الخطر في أن تحافظ هذه القوات على ولاءاتها السياسية والأهلية السابقة، كما حدث بالفعل في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية حين انشقت ألوية كاملة في منتصف الثمانينيات وفقاً لانتماءاتها الحزبية والطائفية بينما كان رؤساء الأحزاب عينها وزراء في حكومة واحدة.
وخلاصة القول: تبدو كوباني اليوم المثال الأبرز على نجاح الاندماج الفعلي للقوات الكردية والمؤسسات السورية، بينما في الحسكة يتعلق الأمر بدرجة أكبر بعملية انضواء قد تصبح عرضة للاضطراب بسبب الانتماءات الأهلية والحزبية، ذلك إن لم تترجم عبر اندماج كامل ومتكامل.