تناول عصير البرتقال يومياً: بين دعم المناعة وتحذيرات السكر

يحرص كثيرون على وضع كوب من عصير البرتقال على مائدة الإفطار بشكل يومي، ويرتبط هذا المشروب في الأذهان بفيتامين سي وتقوية المناعة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يحدث فعلياً للجسم عندما يصبح العصير عادة يومية؟
ليست الإجابة ببساطة أنه «مفيد» أو «ضار»، فالعصير الطبيعي يحتوي على عناصر غذائية مهمة، لكنه في الوقت نفسه يختلف عن تناول ثمرة البرتقال كاملة، وبخاصة من ناحية الألياف والسكريات والإحساس بالشبع.
دفعة قوية من فيتامين سي
أبرز ما يقدمه عصير البرتقال هو فيتامين سي، إضافة إلى البوتاسيوم وحمض الفوليك ومجموعة من المركبات النباتية المضادة للأكسدة. ويلعب هذا الفيتامين أدواراً أساسية في الجسم، إذ يسهم في أداء جهاز المناعة لوظائفه الطبيعية، ويساعد على تصنيع الكولاجين والتئام الجروح، ويعزز امتصاص الحديد من المصادر النباتية.
ومن المهم هنا التفريق بين دعم الوظائف الطبيعية للمناعة وبين الاعتقاد بأن شرب العصير يومياً يقي من الأمراض؛ إذ لا توجد قاعدة علمية تجعل عصير البرتقال وحده وسيلة للوقاية من العدوى.
ماذا يقول العلم عن القلب والدماغ؟
أشارت أبحاث إلى احتمال وجود فوائد لبعض مؤشرات صحة القلب عند تناول عصير البرتقال باعتدال، لكن النتائج ليست موحدة بما يكفي للجزم بأنه يخفض ضغط الدم أو الكوليسترول لدى الجميع. لذلك لا ينبغي التعامل معه كعلاج لهذه الحالات، بل كمشروب يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن، خاصة أنه يحتوي على البوتاسيوم الذي يؤدي دوراً مهماً في تنظيم ضغط الدم.
وعلى صعيد الدماغ والذاكرة، يعد هذا المجال من أكثر الفوائد إثارة للاهتمام، لكنه يحتاج إلى الحذر أيضاً. فالبرتقال غني بمركبات نباتية تسمى الفلافانونات، وأظهرت تجارب صغيرة أن تناول عصير غني بهذه المركبات ارتبط بتحسن في بعض اختبارات الوظائف الإدراكية. وفي تجربة عشوائية شملت 37 شخصاً من كبار السن الأصحاء، تحسنت بعض مقاييس الأداء الإدراكي بعد تناول عصير برتقال غني بالفلافانونات لمدة 8 أسابيع، كما وجدت دراسة أخرى على رجال أصحاء في منتصف العمر تحسناً قصير المدى في بعض اختبارات الوظائف التنفيذية وسرعة الأداء بعد تناول عصير غني بالفلافونويدات.
غير أن هذه الدراسات صغيرة الحجم، ولا تثبت أن شرب عصير البرتقال يومياً يحمي من الخرف أو يمنع التراجع المعرفي مع التقدم في العمر.
عندما يتحول العصير إلى سكر سائل
المشكلة تبدأ عند الحديث عن السكر، فالسكر الموجود في عصير البرتقال الطبيعي ليس سكراً مضافاً، لكنه يصل إلى الجسم في صورة سائلة. وهنا يظهر أحد أهم الفروق بين العصير والثمرة الكاملة؛ إذ تقلل عملية العصر كثيراً من الألياف التي نحصل عليها عند تناول الثمرة، ما يجعل العصير أقل إشباعاً ويسمح بتناول كمية أكبر من السكريات والكربوهيدرات بسرعة أعلى.
ولهذا قد يؤدي شرب العصير إلى ارتفاع أسرع في مستوى سكر الدم مقارنة بتناول البرتقال كاملاً، خصوصاً عند استهلاك كميات كبيرة منه.
لماذا تتفوق الثمرة الكاملة؟ وكيف نشرب العصير باعتدال؟
عند المفاضلة بين ثمرة برتقال وكوب من عصيرها، تتمتع الثمرة الكاملة بميزة مهمة هي الألياف، التي تساعد على الشعور بالشبع وتبطئ الهضم وامتصاص السكريات. كما أن تناول الثمرة يستغرق وقتاً أطول من شرب العصير، ما يجعل التحكم في الكمية أسهل.
ولا يعني ذلك أن عصير البرتقال الطبيعي «غير صحي»، فالفرق يكمن أساساً في الكمية وطريقة التناول. فبالنسبة إلى الشخص السليم، يمكن أن يدخل العصير ضمن نظام غذائي متوازن، لكن الاعتدال يظل العامل الأهم، مع تفضيل اختيار عصير برتقال 100 بالمئة من دون سكر مضاف، والانتباه إلى حجم الحصة، خصوصاً لمن يحتاجون إلى مراقبة استهلاك السكريات أو مستويات الغلوكوز في الدم.
أما مرضى السكري، فقد يكون تأثير العصير في سكر الدم أسرع من الفاكهة الكاملة، ولذلك ينبغي مراعاة الكمية ضمن خطتهم الغذائية الفردية.
في النهاية، لا يحتاج عصير البرتقال إلى أن يوضع في خانة «المشروب السحري» أو «المشروب الضار»، فهو مصدر جيد لعدد من العناصر الغذائية، لكن ثمرة البرتقال الكاملة تتفوق عليه في الألياف والشبع. وبعبارة أبسط: يمكن للعصير أن يكون جزءاً من نظام غذائي صحي، لكن شرب المزيد منه لا يعني الحصول على فوائد أكبر.





