موسوعة شدا تكشف آفاقاً جديدة لبناء المعرفة المحلية في السعودية

أعلنت مؤخرًا عن إطلاق “موسوعة شدا”، وهو مشروع يُعنى بجمع وتوثيق التراث الثقافي لمنطقة الباحة. يستذكر القارئ في البداية مشروعاً سابقةً هو “موسوعة الأدب الشفهي والطب الشعبي” التي أُنجزت في المنطقة قبل عدة سنوات، لكنه يوضح أن الروابط بينهما تتجاوز مجرد توثيق مكان واحد؛ فهما يمثلان خطوة أساسية في حفظ ذاكرة المجتمع المحلي من الضياع مع مرور الزمن.
أهمية بناء المعرفة المحلية
يتناول النص سؤالًا جوهريًا حول الجهة التي تتحمل مسؤولية بناء المعرفة على الصعيد المحلي، متسائلاً ما إذا كانت المبادرات الثقافية المستقلة هي الوحيدة القادرة على ذلك، أم أن هناك مجالًا لتكاملها مع الأوساط الجامعية ومؤسسات البحث. يبرز الكاتب الحاجة إلى إنصاف الجهود المبذولة، مشددًا على أن الحماس وحده لا يكفي، بل يتطلب رؤية واضحة وصبرًا وإيمانًا بقيمة المكان.
تقدير الدعم والجهود
يُعرب المسؤولون عن “موسوعة شدا” عن شكرهم للشيخ سعيد العنقري، الذي قدم الدعم للمشروع، كما يثمن فريق “موسوعة الأدب الشفهي والطب الشعبي” دورهم في حفظ جزء مهم من الذاكرة الثقافية للباحة. ويؤكد النص أن هذه المبادرات لا تخدم منطقة واحدة فحسب، بل تُضيف إلى المخزون الثقافي الوطني بأكمله.
من التوثيق إلى المعرفة العلمية
تشير الملاحظة إلى أن هذه المشاريع لا تسعى لتقديم إجابات نهائية، بل تفتح آفاقًا جديدة للبحث. فكل وثيقة تُجمع تُعطي فرصة لاستكشاف موضوع آخر، وكل رواية شفهية تحمل خلفها تاريخًا اجتماعيًا، وكل اسم موقع يفضي إلى قصة، وكل لهجة تُظهر تحولًا ثقافيًا. وبالتالي، يُنظر إلى التوثيق كخطوة أولى في مسار المعرفة، لا كغاية نهائية؛ فالمعرفة العلمية تُستخرج عندما تُقرأ هذه المواد وتُحلل وتُقارن وتُعاد تفسيرها.
دور الجامعات في تعزيز البحث المحلي
يُقارن الكاتب موقف الجامعات العالمية، مثل جامعة أكسفورد التي تولي اهتمامًا كبيرًا للبحث في التاريخ المحلي الإنجليزي، وكذلك مؤسسات يابانية تُعنى بدراسات المناطق. يُظهر هذا أن الفهم العميق للمجتمع يبدأ بفهم المكان الذي يتشكل فيه. وبالتالي، لا ينبغي أن يُنظر إلى البيئة المحلية على أنها مجرد عنوان بريدي، بل كحقل بحث دائم.
يُقترح أن يتجاوز السؤال التقليدي “أين الجامعة؟” إلى سؤال “ماذا يمكن للجامعة أن تضيف؟”، مؤكدًا أن الجامعات لا يجب أن تبدأ من الصفر أو تستبدل المبادرات الثقافية، بل ينبغي أن تبني على ما تم إنجازه. يمكن تحويل محتوى الموسوعات إلى مواضيع لأطروحات جامعية أو مشروعات بحثية متعددة التخصصات، حيث يلتقي المؤرخ باللغوي، والأنثروبولوجي بالجغرافي، وعالم الاجتماع بالباحث في التراث. بهذا الشكل، تتسع دائرة المعرفة عامًا بعد عام، ويتحول التوثيق إلى إنتاج علمي متراكم.
يختتم النص بتسليط الضوء على القيمة الأجمل لموسوعة شدا، التي لا تدعو القارئ إلى استكشاف جبل أو قرية فقط، بل تحثه على إعادة التفكير في علاقته بأماكنه. فكل موقع في الوطن يحمل مادة علمية تستحق الدراسة، وكل مجتمع محلي يحمل خبرة إنسانية جديرة بالبحث. وتطرح كل مبادرة توثيقية سؤالًا أعمق: كيف نجعل المعرفة المحلية جزءًا أصيلاً من الرسالة العلمية للجامعات؟ عندما يُعطى هذا السؤال إجابة، لن تكون موسوعة شدا خاتمةً، بل بدايةً لمشروع معرفي يمتد إلى جميع أركان الوطن.





