الرئيسيةمحلياتنقاش استراتيجي عميق حول التحولات الدفاعية...
محليات

نقاش استراتيجي عميق حول التحولات الدفاعية في ملتقى وزارة الدفاع

08/06/2026 15:13

تباينت المواقف بين الجهات المتواصلة مع بعضها البعض لتبادل وجهات النظر، حيث يسعى كل طرف إلى إظهار الصورة الكاملة وإدراك ما قد يكون غائباً عن الطرف الآخر، في محاولة لتقريب الفهم المشترك للواقع. وعلى النقيض، توجد فئات تشعر بالانزعاج عند توجيه أي نقد، وكأن التواصل ينقطع بمجرد طرح الملاحظات، وتتصرف كأنها فوق الانتقاد أو أن كل شيء يسير على ما يرام. ثم يظهر نمط ثالث يتخذ الموقف شخصية، فيلجأ إلى تقديم شكاوى إلى المسؤولين التحريريين، إلا أن هذه الخطوة نادراً ما تؤدي إلى تعديل جوهري؛ فالمشكلة تكمن في ما لم يُعالج من قصور، ولا يزال القصور قائمًا، يبقى النقد مستمرًا.

جلسات الملتقى وأبرز ما لفت الانتباه

خلال الملتقى، عُقدت عدة جلسات ضمت مسؤولين بارزين، إلا أن ما أثار اهتمامي شخصيًا كان حديث الدكتور خالد البياري، معاون وزير الدفاع. لم يكن الخطاب مجرد تكرار عبارات معتادة ومصقولة؛ بل كان عرضًا لرؤية استراتيجية حقيقية، وهو ما يُظهر الفارق الواضح خاصةً في مجال تخصصنا ووضع الاستراتيجيات.

يُلاحظ أن كثيرًا من المسؤولين يشاركون في مناسبات متعددة على مدار العام، وتظهر أقوالهم منسقة ومُحكمة الصياغة، إلا أنها غالبًا ما تظل كلمات بلا فعل. أما المتحدث الذي يتبنى منظورًا استراتيجيًا يدمج التحولات الكبرى ويربط بين الأحداث والمتغيرات، فيرتقي إلى مستوى مختلف تمامًا.

الإطلاع على التحولات التقنية والدفاعية

ما شد انتباهي هو عمق إلمام الدكتور البياري بالتطورات المتسارعة في مجال التقنيات والاستراتيجيات الدفاعية. في مقالاتنا السابقة أشرنا إلى أن ما يشهده العالم اليوم من تغييرات جذرية في طبيعة الحروب ووسائلها وإدارتها ربما لا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية، كما أكّدنا على ضرورة استيعاب دروس الصراع الروسي‑الأوكراني.

وبالرغم من ذلك، بدا الدكتور البياري مطلعًا على أحدث الأفكار والابتكارات التي لا يزال النقاش حولها جاريًا في مراكز الأبحاث العالمية، بعضها لم يتجاوز أيامًا قليلة على ظهورها. وأوضح أن وتيرة التطور الحالية تشبه ثورة تكنولوجية، حيث قد تصبح التقنية المتقدمة اليوم قديمة وغير صالحة للاستعمال غدًا.

الذكاء الاصطناعي في المنظومة العسكرية

من بين القضايا التي لطالما ناقشناها في مقالاتنا كان دور الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الدفاعية. لقد طرحنا مرارًا فكرة دمج الذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار، والتقنيات الحديثة في برامج التدريب والتأهيل، مع اقتراح تخصيص نسبة لا تقل عن 15 % من الكوادر لتتخصص في هذه المجالات.

الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الجندي والسلاح التقليدي، بل أصبحت تُدار عبر أنظمة ذكية وحروب عن بُعد وتقنيات ذاتية التشغيل. ولا يخفى على أحد أن عدد الطائرات بدون طيار المستخدمة في الصراع الروسي‑الأوكراني وصل إلى أعداد هائلة.

في الملتقى أوضح الدكتور البياري، الذي يحمل خلفية في الاتصالات والمعلومات، أنه يدعم بشدة إدماج الذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع، مؤكدًا أنه على دراية تامة ومستعد لتفعيل هذا الاتجاه.

التحديات في ربط الجامعات بالابتكار الدفاعي

لفت انتباهي صراحة الدكتور فالح السليمان، محافظ هيئة التطوير الدفاعي، عندما تحدث عن مخرجات الأبحاث الجامعية. أشار إلى أن أغلب الدراسات لا تزال محصورة في الإطار النظري دون أن تتحول إلى منتجات أو حلول عملية ملموسة.

أوضح أن المشكلة لا تكمن في الإمكانات المتوفرة، بل في الهيكل التنظيمي والنهج المتبع. لفترة طويلة كان التركيز منصبًا على الإنتاج الأكاديمي والنظري أكثر من تحويل المعرفة إلى تطبيقات واقعية. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الهيئة من حاضنات ومسرعات وشراكات مع الجامعات، فإن العائق الأساسي يبقى في بنية المخرجات الجامعية نفسها.

وفي عام 2026 ما زلنا نلاحظ قلة الأبحاث النوعية ذات الأثر العملي، باستثناء عدد محدود من الأعمال الصادرة عن جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. إن النظام الحالي لا يحفز الأساتذة على الابتكار، فالمشروع الناجح غالبًا ما يُعامل كمنشور غير مرئي في مجلة بعيدًا عن المتابعة.

على النقيض، الجامعات العالمية الكبرى مثل هارفارد وMIT وستانفورد وجامعات طوكيو وأوساكا توفر بيئات داعمة للابتكار، حيث يحصل الباحث على حوافز مالية واضحة، وقد تصل حصته إلى ثلث العائدات في بعض الحالات. هذه الحوافز تدفع الأكاديميين إلى تحويل أبحاثهم إلى منتجات تجارية تُسهم في الاقتصاد.

في المقابل، بعض الجامعات السعودية استنسخت النماذج الغربية من حيث الشكل والهيكل، لكن عندما يتعلق الأمر بتطبيق الابتكار وتوفير الحوافز الحقيقية للمخترعين، تقف عند حدود معينة.

ختامًا، أوصي هيئة التطوير الدفاعي بالاستمرار في دعم الجامعات وتطويرها، مع عدم الاعتماد الكامل على نتائجها في الوقت الحالي. من الأفضل تعزيز التعاون مع دول الشرق الأوسط وإفريقيا في مجال التطوير الدفاعي، حيث تُظهر هذه الشراكات فاعلية أكبر وتعقيدًا أقل مقارنةً بالشراكات الغربية التي غالبًا ما تكون مكلفة وتؤدي إلى نقل محدود للتقنية والمعرفة.