في عزاء الأستاذ محمد أحمد شراحيلي: ما كشفته نظرة عينيّ عن الحزن العميق

في مراسم العزاء التي أقيمت لتكريم الأستاذ الفاضل محمد أحمد شراحيلي – رحمه الله – التقيت بأحد أساتذتي الذين رافقوني في مرحلة المتوسطة، وكذلك بصديق قديم كان قريباً من المتوفى. كان الاثنان يهمسان بردود خافتة، ولم أسجِل ما قالاه لي، غير أن نظرة عينيهما حملت ما يفوق الكلمات.
لغة العيون لا تخفي ما في الصدور
من النظرة الأولى في عيني الشخص يمكن للمرء أن يقرأ ما يختلج داخله، فالعين لا تعرف الكذب ولا تستتر. لا تنتظر لحظة مناسبة لتفصح، ولا تحتاج إلى مقدمات تمهيدية؛ بل تنقل الرسائل في غمضة أو غمضتين، وتستطاع أن تحكي حكاية بأقل من عدد أصابع اليد.
نظرة عميقة في عيني الأستاذين
كل من يتمتع بأدنى قدر من الفطنة يستطيع أن يميز الفرح والحزن في عيون المتحدث، ولا سيما الحزن. إذا كان لديك حسّ عالي، فإنك تدرك مدى عمق الحزن الذي يعيشه من أمامك، وتستشعر شدته بما يفوق الوصف. ما رأيته في عيني الأستاذين لم يكن مجرد حزن عادي؛ بل كان عمقاً لا حدود له، كأنني أنظر إلى فضاء لا يحده أفق، أو إلى بئر عميقة لا يُرى قعرها، أو إلى بحر هادئ لا يبوح بنهايته.
غرق في مشاعر الحزن
لم يكن انقطاع سمعي عن الكلام نتيجة لخفض صوتهما، بل كان نتيجة غمرّي في سبر عمق ذلك الحزن، محاولاً استكشاف نهايته. جمعت كل قواي الإدراكية فصمتت الأصوات من حولي، واكتفيت بأن أواسيهما، وأعزي الحزن الظاهر في عينيهما، دون أن يلوم أي منهما، ففقدان رجل عزيز مثل أبي أحمد حدثٌ عظيم.
دعوة للثبات والاحتساب
لا أجد في هذا الظرف ما أقوله سوى أن أوجه كلمة عزاء إلى عائلة الفقيد، إلى طلابه وكل من أحبه. لقد كان المتوفى إنساناً كريماً ورحيماً، أرحم من أمهاتنا. فأصبروا واحتسبوا الأجر عند الله.
أيها الأستاذان الكريمان، إن الفقيد ترك وراءه أجيالاً متعاقبة تدعو له وتذكره بالخير، وإن كل من عرفه أحبه واحترمه. لم تفارقه ابتسامة صادقة مع كل من قابله، وهم الآن شهود على ما قدمه في الأرض. نسأل الله أن يكتب ذلك في موازين حسناته.
كما أن أمه لو حكمت عليه لكان أرحم به من رحمة الله، وإن الجامع امتلأ بالصلاة عليه، والمقبرة تعج بمحبيه ودعائهم، وكثرت المعزيات. أسئلته التي كتبها محفوظة لطلابه، سيستمرون في تدبرها والدعاء له بالرحمة. وسيظل اسمه حديث زملائه ومحبيه، يرددون الدعوات له.
لا تلوموا على حزنكما، فالدموع تدفّق والقلب يحزن، ولكن لا تقولا إلا ما يرضي ربكما. فكما كانا قدوة للآخرين، فليستمر ذلك القدوة في العزاء. لا يمكن للإنسان أن يزيل حزن غيره، لكنه يستطيع أن يشاركه بكلمات المواساة والأمل، علّ ذلك يخففه ولو قليلاً.
قال ما قلت لأنني أرجو أن أُعطيكما جزاءً من فضلكما وإحسانكما؛ فمن علمنا وأدبنا وتوجيهنا لا نستطيع أن نكافئه، فله منا الدعاء.





