الرئيسيةمنوعاتتأملات في تناقضات الإنسان بين القول...
منوعات

تأملات في تناقضات الإنسان بين القول والفعل

08/06/2026 23:02

يتسم الإنسان بقدرة فطرية على التناقض، وهو أمر لا يمكن إنكاره؛ فالتعايش مع هذا التباين يصبح أمرًا ضروريًا. ومع ذلك، يبرز سلوك الإنكار كأحد أبرز مظاهر هذا التناقض، إذ يرفض الكثيرون الاعتراف بأنهم كائنات متناقضة. يطالبون بالفضيلة بينما يخالفونها في سلوكياتهم، يروّجون للصدق ويقعون في الكذب، ويتفاخرون بالمثالية وهو ما لا يتطابق مع واقعهم الناقص.

الإنكار وتبرير الفجوة

إذا كان هذا هو الواقع الذي يعيشه الفرد، فلماذا لا يعترف به ويعمل على تقليص الهوة بين ما يعلنه وما يفعله؟ إن إقرار الإنسان بحدوده قد يمهّد الطريق لتقليل التباين بين أقواله وأفعاله.

الفلسفة بين الموت والحيّة

هناك من يصرّح بأن الفلسفة قد انتهت وأنها لم تعد علماً حقيقيًا، غير أن هؤلاء يستخدمون الأدوات الفلسفية لإثبات زوالها. فبغية إظهار أن الفلسفة «ماتت»، يلجؤون إلى منهجيتها نفسها، ما يبرز التناقض داخل حجتهم.

قراءة الكتب كمصدر للمعرفة

يتضح وجود فئة من الأشخاص الذين يتحاملون على القراءة؛ سواء كان ذلك للكتب أو الروايات أو القصص أو الشعر، أو حتى المجلات والمكتبات. رغم هذا الرفض الظاهري، فإنهم يحتاجون إلى النصوص والمراجع العلمية لدعم نظرياتهم أو دحضها قبل أن يشرعوا في طرحها. وهذا يُظهر أن سلوكهم لا يتماشى مع ما يعلنون عنه.

تناقضات السلوك اليومي

يتجلى التناقض السلوكي في مواقف يومية، مثل محاولة إقناع مدمن بالتوقف عن التدخين، حين يرد المدمن قائلاً إنه يحتاج إلى سيجارة ليتمكّن من التفكير بوضوح. كذلك يشتكي البعض من ضيق الوقت، وهو مستلقٍ على الأريكة يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ويشاهد مسلسلات غير مفيدة، ثم يبرّر عدم ممارسته للرياضة أو القراءة بحجة عدم توفر الوقت.

يُظهر البعض حماسًا للحديث عن فضيلة الفقر ويُعظّ بالعيش بخفة، لكنه في الوقت نفسه يجمع المال ويخشى أن يواجه أبناؤه الفقر، ويُظهر كذبًا في صدقه. وهنا تُستنتج أن القدوة الحقيقية هي التي تُظهر التوازن بين القول والفعل.

الإنسان هو سيد التناقضات الرفيعة؛ يطالب الصراحة من الآخرين، لكنه يختار إخفاء ما يراه غير مناسب من جوانب حياته. ما يراه مقبولًا للآخرين قد يكون واجبًا في قوله، لكنه يظل يتستر على تفاصيله الشخصية.

رغم أن الكثير يدّعي الثبات على فكرة أو مبدأ منذ عقود طويلة، إلا أنه يرفض مراجعة أو تعديل تلك المسلمات التي هو نفسه وضعها. وعند مواجهة أفكار قد تهز قناعته، يلجأ إلى الهروب بدلاً من إعادة التفكير.

كما يبرز التناقض في من يدعو إلى التسامح مع الآخرين، لكنه لا ينسى العداوات القديمة أو الإساءات التي مرّ بها منذ سنوات طويلة، وقد تتعلق بذكريات الطفولة المؤلمة.

وفي الختام، يبدو أن الإنسان يعرف عيوبه أكثر من غيره، لكنه يقضي حياته في إخفائها عن نفسه وعن الآخرين. نادراً ما ينجح أحد في كشف تناقضات الآخرين، إلا أن الفيلسوف بليز باسكال صاغ فكرةً ملخصةً لهذه الظاهرة قائلاً: “إن الإنسان ليس ملاكًا ولا حيوانًا، بل كائن يعيش دائمًا بين طرفين متناقضين”. أمامنا الآن خياران: إما أن نعترف بتناقضاتنا ونحاول تقليص الفجوة التي قد لا تُسد، أو نواصل إنكارها بنفي وجودها.