بين الأمس واليوم: هل فقدت المنازل مكانتها كجنة للأطفال؟

ما زالت عالقة في ذهني تلك العبارة التي كانت توضع في أسفل بطاقات دعوات الأفراح في الزمن الماضي: «جنة الأطفال منازلهم». كنت أراها في صغري مجرد اعتذار غير لائق عن عدم اصطحابنا إلى تلك المناسبات.
كانت هذه الجملة تثير في داخلي شعوراً بالاستفزاز، ربما لأنها أوحت لي بأن عالم البالغين يختلف تماماً، وأن هناك متعة لا يحق لي الاقتراب منها. وربما لأنها كانت تضفي على المناسبة هالة من الغموض، مما يزيد رغبتي في حضورها. وقد يكون السبب أنني كنت أرفض فكرة أن هناك مكاناً أجمل من أي احتفال، ثم يُقال لي إن ذلك المكان هو المنزل.
ذكريات بطاقات الدعوات القديمة
مع مرور الزمن، اختفت بطاقات الدعوات الورقية وحلت محلها الرسائل الإلكترونية السريعة، واختفت معها تلك العبارة التي كانت تثير فضولي. لكنها لم تختفِ من الذاكرة، بل عادت إلي اليوم بمعنى مختلف تماماً.
طرحت على نفسي سؤالاً: هل ما زالت منازلنا حقاً جنة للأطفال؟
في أيام الإجازات، يجد كثير من الأطفال ضيقاً بالبقاء في المنزل، وإن جلسوا فيه استسلموا لشاشات الأجهزة اللوحية، حتى تحولت غرفهم إلى عوالم افتراضية تفتقر إلى الضحكات الحقيقية ودفء اللقاءات. أما الخروج فأصبح هو الجنة المنتظرة: إلى الأسواق والمطاعم والملاهي، وحتى المقاهي التي كانت في الماضي ملتقى للكبار فقط. أصبح الكبار يصطحبون أطفالهم إليها دون اكتراث بخطر التدخين أو سماع عبارات لا تليق بمراحلهم العمرية.
طفولة الأمس: فرح بسيط ودفء عائلي
الحقيقة أن الطفل لا يهرب من المكان، بل يهرب من الفراغ. فالبيت الذي يخلو من الحوارات والمشاركات، ومن الجلسات العائلية والحميمية الوالدية، يتحول إلى مجرد جدران.
أتذكر كيف كانت بيوتنا قديماً تصنع الفرح من أبسط الأشياء: لعبة الأوادم، ولعبة صف المخدات والانزلاق عليها، وجلسة شاي يشارك فيها الجميع، وقصة ترويها الوالدة، ومنافسة بريئة بين أبناء العائلة. لم نكن نملك كل وسائل الترفيه التي يملكها أطفال اليوم، لكننا كنا نملك شيئاً أثمن من ذلك كله: كنا نملك الوقت مع من نحب.
أطفال اليوم: هروب من المنزل إلى الشاشات
الأطفال لا يحتاجون إلى برامج مكلفة بقدر حاجتهم إلى والدين يمنحانهم ساعة من الاهتمام الكامل، ولا إلى ألعاب جديدة بقدر حاجتهم إلى ذكريات جديدة.
المنزل قادر على تنمية مواهبهم بالرسم والقراءة والألعاب الذهنية والأعمال اليدوية والطبخ والزراعة، وحتى بالمهمات المنزلية الصغيرة التي تغرس فيهم المسؤولية والثقة بالنفس. وكل لحظة يقضيها الطفل في بيته ويشعر فيها بالاحتواء تترك أثراً في شخصيته وسلوكه لا تصنعه آلاف الساعات أمام الشاشات.
كيف نعيد للمنزل جاذبيته؟
ربما لم أكن أعي تلك العبارة وأنا صغير، لكنني اليوم أجدني أتمنى أن تعود بمعناها الحقيقي، لا أن تُكتب أسفل بطاقة الدعوة، بل في تفاصيل بيوتنا. أن يعود المنزل مكاناً يشتاق إليه الأطفال، لا سجناً يقيدهم بالأغلال.
حين يمتلئ البيت بالمودة وتُصنع فيه الذكريات، يكبر الأطفال وهم يحملون في قلوبهم يقيناً جميلاً بأن أجمل الأماكن لم تكن مدينة ألعاب، ولا مركز تسوق، ولا مقهى، بل كانت منازلهم العامرة.
عندها تصدق العبارة التي كانت تستفزني يوماً، وتصبح حقيقة يعيشها أطفالنا بكل حب: «جنة الأطفال منازلهم».





