الرئيسيةمنوعاتالأكل العاطفي عند الأطفال: ظاهرة متزايدة...
منوعات

الأكل العاطفي عند الأطفال: ظاهرة متزايدة تستدعي تدخل الأهل والمختصين

لم يعد تناول الطعام مجرد استجابة للجوع، بل أظهرت العديد من الدراسات الحديثة وجود سلوك غذائي يُعرف بـ “الأكل العاطفي”، حيث يلجأ الإنسان إلى الطعام استجابة لمشاعر معينة بدلاً من الحاجة الفسيولوجية الحقيقية. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة كانت تُعتبر في الماضي مقتصرة على البالغين، إلا أنها باتت أكثر انتشاراً بين بعض الأطفال، لا سيما في حالات التعرض للضغوط النفسية والاجتماعية.

ما هو الأكل العاطفي عند الأطفال؟

يقصد بالأكل العاطفي لجوء الطفل إلى الطعام عند الشعور بالحزن أو التوتر أو القلق أو الملل أو حتى الفرح المفرط. في هذه الحالات، يصبح الطعام وسيلة مؤقتة لتحسين المزاج أو الهروب من المشاعر السلبية، وغالباً ما ينجذب الطفل إلى الأطعمة الغنية بالسكر والدهون والسعرات الحرارية المرتفعة، لأنها تمنحه شعوراً سريعاً بالراحة والسعادة.

أسباب تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة

يتساءل البعض عن الأسباب التي تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للأكل العاطفي عن غيرهم. تشير الأبحاث إلى أن العامل النفسي يلعب دوراً رئيسياً في ذلك؛ فالأطفال الذين يعانون من القلق أو ضعف الثقة بالنفس أو المشكلات الأسرية أو الضغوط الدراسية قد يلجؤون إلى الطعام كوسيلة للتخفيف من مشاعرهم. كما أن بعض الممارسات التربوية الخاطئة، مثل استخدام الحلويات كمكافأة أو تقديم الطعام للطفل كلما شعر بالضيق أو البكاء، تسهم في ترسيخ هذا السلوك وربط الراحة النفسية بالطعام منذ سن مبكرة. وتشير دراسات حديثة إلى أن استجابة الوالدين لمشاعر الطفل السلبية تؤثر بشكل مباشر في احتمالية تطور الأكل العاطفي لديه في المستقبل.

الآثار الصحية والدراسات الحديثة

لا تقتصر آثار الأكل العاطفي على زيادة كمية الطعام المتناولة فقط، بل تمتد إلى العديد من المشكلات الصحية. فمع تكرار هذا السلوك، يصبح الطفل أكثر عرضة لاكتساب الوزن الزائد والسمنة، خاصة إذا كان الطعام الذي يتناوله غنياً بالسكريات والدهون. كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات في العلاقة الطبيعية مع الطعام، حيث يفقد الطفل القدرة على التمييز بين الجوع الحقيقي والجوع الناتج عن المشاعر. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت أبحاث حديثة وجود ارتباط واضح بين الأكل العاطفي وزيادة معدلات السمنة لدى الأطفال والمراهقين، إضافة إلى ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب وضعف النشاط البدني لديهم.

في السنوات الأخيرة، حظي موضوع الأكل العاطفي لدى الأطفال باهتمام متزايد من الباحثين، حيث سعت العديد من الدراسات إلى فهم العلاقة بين المشاعر والسلوك الغذائي وتأثير ذلك على الوزن والصحة العامة. في الصين، أجرت جامعة ونتشو الطبية ومستشفى تايتشو دراسة حديثة نشرت عام 2026 وشملت 881 مراهقاً، وكشفت النتائج أن الأطفال والمراهقين الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة سجلوا مستويات أعلى من الأكل العاطفي مقارنة بأقرانهم ذوي الوزن الطبيعي، كما أكدت وجود علاقة مباشرة بين الأكل العاطفي وارتفاع مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر. وفي دراسة دولية واسعة النطاق ضمن مشروع “الدراسة الدولية لسمنة الأطفال ونمط الحياة والبيئة”، تابع الباحثون أكثر من 5400 طفل تتراوح أعمارهم بين 9 و11 عاماً في 12 دولة موزعة على خمس قارات، شملت أستراليا وكندا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة وغيرها. أظهرت النتائج أن الأطفال الذين يلجؤون إلى الأكل العاطفي يميلون بشكل أكبر إلى اتباع أنماط غذائية غير صحية والإكثار من الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون، بغض النظر عن الدولة أو الثقافة التي يعيشون فيها.

كشفت دراسة أجرتها جامعة بايلور بولاية تكساس الأمريكية على مجموعة من الأطفال والمراهقين، أن الأكل العاطفي يرتبط بزيادة الوزن وصعوبة التحكم في كميات الطعام المتناولة، حيث شكلت المشاعر السلبية والضغوط النفسية أبرز العوامل التي تدفع الأطفال إلى تناول الطعام بعيداً عن الشعور الحقيقي بالجوع، ما دفع الباحثين إلى المطالبة بالكشف المبكر عن هذا السلوك والحد من أسبابه النفسية.

كيف نحمي أطفالنا من الأكل العاطفي؟

حماية الأطفال من الأكل العاطفي تبدأ من المنزل. فالحوار المفتوح مع الطفل والاستماع لمشاعره يساعدانه على التعبير عن انفعالاته بالكلمات بدلاً من ترجمتها إلى سلوك غذائي. كما أن توفير بيئة أسرية مستقرة وداعمة يقلل من مستويات التوتر والقلق، وينصح بتجنب استخدام الطعام كوسيلة للعقاب أو المكافأة، لأن ذلك يعزز الارتباط العاطفي غير الصحي بالطعام. تنظيم أوقات الوجبات وتشجيع الطفل على ممارسة الرياضة والأنشطة الترفيهية يسهمان في تحسين صحته النفسية والجسدية.

للأطفال أنفسهم دور مهم في مواجهة هذه المشكلة، وذلك من خلال تعلم التمييز بين الشعور بالجوع والشعور بالحزن أو الملل، وشرب الماء قبل تناول الوجبات الخفيفة، وممارسة الأنشطة المحببة أو اللعب عند الشعور بالضيق. وينبغي أيضاً تجنب تناول الطعام أمام الشاشات الإلكترونية، لأن ذلك يقلل من الانتباه إلى كمية الطعام المستهلكة. كما ينصح بالحرص على النوم الكافي وممارسة النشاط البدني بانتظام، فهما من أهم العوامل التي تساعد على تحسين المزاج وتقليل الرغبة في الأكل العاطفي.

الخلاصة، يبقى الأكل العاطفي سلوكاً يمكن الوقاية منه وعلاجه إذا تم اكتشافه مبكراً. فكلما تعلم الطفل طرقاً صحية للتعامل مع مشاعره، زادت فرصته في بناء علاقة متوازنة مع الطعام، والتمتع بصحة جسدية ونفسية أفضل على المدى الطويل.