التمايز الأكاديمي بين الشرق والغرب: دروس من جامعات أعادت تعريف النجاح

التمايز والتفرد في كل شيء يظل هدفاً صعب المنال وطموحاً عزيزاً، لا يبلغه إلا من أدرك إمكانياته أولاً ثم عرف إمكانيات غيره. وكما يقال: «لا يعرف نفسه من لا يعرف إلا نفسه». على الساحة الأكاديمية، أصبح تمايز الجامعات الموضوع الأبرز، حيث تباينت الآراء حول آلية تنفيذه، لكنها اتفقت على ضرورة البدء فيه برؤية وطنية واضحة المعالم. ومن باب تنمية الوعي الذاتي والمجتمعي، يجدر استعراض تجارب مختلفة من بيئات متباينة من أقصى الشرق والغرب لجامعات سبقتنا في هذا المجال، ليس بهدف استنساخ تجارب الآخرين، بل لاستقرائها واستخلاص الشواهد والعبر التي قد تساعد في فهم غايات وتحديات ومآلات هذا المشروع.
التجربة الغربية: جامعة ولاية أريزونا ونموذج «الجامعة الجديدة»
تبدأ التجربة الأولى من أقصى الغرب مع مطلع الألفية الجديدة، حينما كانت العديد من الجامعات الأمريكية تعيد النظر في هويتها لمواءمة متطلبات القرن الجديد. في تلك الفترة، تولى الأكاديمي مايكل كرو رئاسة جامعة ولاية أريزونا، التي كانت تُصنف كجامعة إقليمية كبيرة ضمن الجامعات العامة، ذات تمويل حكومي محدود وهوية تقليدية. أدرك كرو وفريقه أنهم لا يستطيعون منافسة الجامعات النخبوية مثل هارفارد وستانفورد باتباع السياسات نفسها، كالانتقائية في قبول الطلاب وتقنين أعدادهم والتركيز على التصنيفات الدولية والتميز البحثي.
على النقيض، رأت الجامعة ضرورة تغيير قواعد اللعبة بإعادة صياغة السؤال الجوهري من «كيف نصبح جامعة نخبوية؟» إلى «ما الدور الذي لا يستطيع أحد القيام به مثلنا؟». وطوّرت نموذجاً جديداً أطلقت عليه اسم «الجامعة الأمريكية الجديدة»، القائم على فكرة أن الجامعة العظيمة ليست التي تستبعد أكبر عدد من الطلاب، بل التي تنجح في تمكين أكبر عدد منهم وتنمية مهاراتهم لخدمة المجتمع. في ضوء ذلك، أعادت الجامعة بناء هويتها كـ«جامعة بحثية عامة شاملة، يقاس أداؤها بمن تقبلهم وكيف ينجحون، لا بمن تستبعدهم، وتعمل على تطوير البحث ذي القيمة العامة، وتتحمل المسؤولية عن الصحة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات التي تخدمها».
تُرجمت هذه الرؤية إلى خطة عمل واضحة وفق إطار زمني بعيد المدى، ركزت على إعادة بناء الهوية، ثم إعادة تصميم البنية الأكاديمية حول الهوية الجديدة، ثم إعادة تنظيم طرق التدريس والبحث، وصولاً إلى التوسع في الوصول والابتكار الرقمي. نفذت الجامعة خطتها بتدرج وشجاعة، وأعادت بناء نموذجها المؤسسي ليكون جامعة واحدة في أماكن مختلفة بدلاً من حرم جامعي واحد، واستثمرت في التعليم الرقمي لاستيعاب أعداد أكبر من الطلاب والبرامج. ولم تلغِ الجامعة الأقسام التقليدية، بل أعادت تعريفها ضمن هيكليتها الجديدة، فاستُحدثت «مدرسة الاستدامة» التي تضم تخصصات متنوعة تهدف إلى إيجاد تفاعل حقيقي بين العلوم الطبيعية والهندسية والاجتماعية والسياسات العامة، بالتعاون مع المجتمع والقطاع الخاص، لإيجاد حلول لمشكلات معقدة كالماء والطاقة والمدن والغذاء.
نتيجة لذلك، أصبحت الجامعة اليوم علامة فارقة في التميز الأكاديمي عالمياً. فقد قفز عدد طلبتها من نحو 55 ألف طالب في عام 2002 إلى 160 ألف طالب في عام 2025، نصفهم تقريباً يدرسون في برامج نوعية عن بُعد. وتفوقت الجامعة في مؤشرات النشر العلمي والتميز البحثي والابتكار والتصنيفات العالمية، مؤكدة أن التميز هو نتيجة حتمية جانبية لكل جامعة تنجح في أداء مهامها الأساسية.
التجربة الشرقية: التوعك الأكاديمي في اليابان
على النقيض من ذلك، كانت هناك تجربة مغايرة في أقصى الشرق لمجموعة من الجامعات اليابانية التي كان لها حضور مميز في التصنيفات الدولية، لكن مستوياتها بدأت تتراجع، مما أثار حفيظة العقل الياباني الذي يهتم بالاستمرارية وفق معايير الأداء. فمثلاً، انحدر تصنيف جامعة طوكيو في تصنيف شنغهاي من المركز 19 في عام 2003 إلى المركز 27 في عام 2023. وثّقت الأدبيات الأكاديمية الحلول التي طُبقت للتعامل مع هذه الحالة، ومن ضمنها تقرير لمجلة Science نُشر في عام 2023، وصف هذه الحالة بـ«التوعك الأكاديمي». وعزا التقرير أسباب انخفاض أداء الجامعات إلى سياسة «الخصخصة والاستقلالية»، التي أدت إلى تضخم البيروقراطية وزيادة أعباء الإشراف الخارجي، مما أثّر سلباً في الإنفاق على البحث العلمي وأدى إلى ركود بحثي ونقص في أعداد الباحثين، لتصبح الجامعات بيئات غير جاذبة.
دروس مستفادة وتحديات مشروع التمايز
باستقراء تلك التجارب وغيرها، يمكن استخلاص نقاط هامة تمنح فهماً أوسع للعوامل المساعدة على نجاح مشروع تمايز الجامعات. من أبرزها: أهمية وعي القيادات الأكاديمية بضرورة التغيير والتطوير، وتبني هذا المشروع ووضع الأطر العامة لضمان نجاحه، واستيعاب الآراء المخالفة والداعمة وتوجيهها لتطوير نماذج التغيير. كذلك القدرة على استشراف مكامن الخلل ومعالجتها مبكراً، وعدم الركون إلى النتائج الآنية التي تمنحها مؤشرات الأداء وقوائم التصنيف. بالإضافة إلى ذلك، ضرورة وجود خطط طويلة المدى وعدم استعجال الثمرة، فمشروع التمايز رحلة وليس غاية. ولا بد من استيعاب أن هذا المشروع لن ينجح إذا بقي مشروعاً تنظيمياً يركز على الشعارات وإعادة الهيكلة والخطط النظرية، بدلاً من أن يصبح مشروعاً ثقافياً وفكرياً طويل الأمد يشارك فيه الجميع، ليساعد الجامعة في فهم ذاتها أولاً، وبناء مفهومها للنجاح في ضوء إمكانياتها الحقيقية وحاجات مجتمعها ودورها الوطني. وهذا لن يتحقق إذا تسابقت جميع الجامعات للقيام بالممارسات الأكاديمية نفسها، كالتوسع في النشر العلمي وزيادة برامج الدراسات العليا وتقليد الجامعات الأعلى تصنيفاً والسعي وراء المؤشرات العالمية ذاتها. فتكون النتيجة غالباً تشابهاً مؤسسياً، وضعفاً في الهوية، وتشتيتاً للموارد، وبرامج أكاديمية مكررة، وأحياناً غياب الدور الحقيقي للجامعة في محيطها، وهي أعراض تجعل الجامعات «جامعة عامة تفعل كل شيء بدرجة متوسطة»، بدلاً من أن تكون مؤسسات تمتلك شخصية علمية واضحة ودوراً محدداً ومؤثراً.
من أبرز الدروس أيضاً أن فكرة تمايز الجامعات لا تهدف إلى جعل كل جامعة أفضل من الأخرى بالضرورة، بل تعني أن لكل جامعة وظيفة وهوية ومجال تفوق مختلفاً. والمستفيد هو منظومة التعليم العالي التي ستحد من التكرار في أدوار الجامعات وتضمن وجود جامعات فريدة تغطي مهام مختلفة، وتساهم في تحقيق الغايات الوطنية والمعرفية المناطة بها.
لا شك أن رحلة التغيير لن تكون ناعمة، فهي عملية فكرية في المقام الأول ستواجه تحديات عدة، منها: بناء الهويات الجديدة ضمن إطار مؤسسي واضح يضمن مشاركة جميع المستفيدين ويقلل مقاومة الأقسام والتخصصات التقليدية لعملية التحول، وتحدي إعادة رسم البنى الأكاديمية حول الهويات الجديدة وما يتطلبه من إعادة هيكلة وتوزيع للموارد والوظائف، وتحدي عدم وجود مؤشرات أداء داخلية بديلة لمؤشرات التصنيفات الخارجية لضمان انسيابية التغيير خلال مرحلة التحول. الخطوة الأولى تبدأ من بناء الوعي حول هذا المفهوم داخل النسيج الأكاديمي، وبث الحماس لتبني هذه الأطروحات ليصبح الأكاديميون قادة ومترجمين للمشروع على أرض الواقع، لتحقيق غاياته وطموحاته. ولنتذكر أن أخطر ما قد يحدث لمنظومة التعليم العالي هو تشابه أدوار جميع الجامعات لتصبح نسخاً مكررة من بعضها البعض بأشكال مختلفة.





