الرئيسيةعربي و عالميلبنان يواجه استحقاق استكمال بنود اتفاق...
عربي و عالمي

لبنان يواجه استحقاق استكمال بنود اتفاق الطائف لتجاوز الأزمة البنيوية

04/06/2026 01:01

لبنان لا يمر بأزمة سياسية تقليدية يمكن اختزالها في تعثر تشكيل الحكومات أو الفراغات الدستورية أو الخلافات بين القوى الحزبية. ما يواجهه فعليًا هو أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه وبالطريقة التي يُدار بها اتفاق الطائف منذ نهاية الحرب الأهلية وحتى الآن. الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في النصوص الدستورية أو في مبدأ التوازن الطائفي بحد ذاته، بل في التطبيق الانتقائي وغير المكتمل للاتفاق، وفي غياب الانتقال التدريجي نحو الدولة المدنية التي نصت عليها وثيقة الطائف بصورة واضحة.

الوفاق الوطني وإطار تطبيقه

جاء اتفاق الطائف بوصفه تسوية تاريخية هدفت إلى إنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية على قاعدة الشراكة الوطنية والتوازن بين المكونات. نجح الاتفاق في وقف القتال وإعادة توحيد المؤسسات الدستورية وإعادة توزيع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث بصورة أكثر توازناً. إلا أن التطبيق العملي خلال العقود اللاحقة اقتصر إلى حد كبير على الجوانب المتعلقة بتقاسم السلطة وإعادة توزيع النفوذ السياسي، بينما جرى تأجيل أو تعطيل البنود الإصلاحية الجوهرية التي كان من المفترض أن تشكل الأساس الحقيقي لبناء الدولة الحديثة.

بنود الإلغاء التدريجي للطائفية

من أبرز البنود التي لم تُنفذ كانت مسألة إلغاء الطائفية السياسية بصورة تدريجية، رغم وضوحها في وثيقة الوفاق الوطني. نص الاتفاق على اعتماد خطة مرحلية لإلغاء الطائفية وإنشاء هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تتولى دراسة واقتراح الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا الهدف. كما تضمن إنشاء مجلس شيوخ تمثّل فيه العائلات الروحية مقابل انتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي. إلا أن هذه البنود بقيت معطلة عمليًا، وظل النظام السياسي يعتمد على التوزيع الطائفي للمناصب والتمثيل والإدارة العامة دون الانتقال إلى المرحلة الإصلاحية التي كان من المفترض أن تواكب مرحلة ما بعد الحرب.

الأبعاد القانونية والبنيوية للطائفية

من الناحية القانونية والدستورية، لا تكمن المشكلة في وجود التعددية الطائفية بحد ذاتها، إذ إن التعددية قد تشكل غنىً سياسيًا وثقافيًا إذا نُظمت ضمن إطار دولة مؤسسات وقانون. الإشكال الحقيقي ظهر عندما تحولت الطائفية من مبدأ تمثيلي مؤقت إلى قاعدة دائمة لإدارة الدولة والسلطة والإدارة العامة. بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية نحو دولة المواطنة، أصبحت بنية طائفية ثابتة تشكل بنية سياسية مستقرة قائمة بذاتها. هذا التحول أدى إلى اختلالات بنيوية في آلية الحكم، حيث ارتبطت آليات اتخاذ القرار بالتوافقات الطائفية أكثر من ارتباطها بالمؤسسات الدستورية. تراجع مفهوم المصلحة الوطنية العامة أمام اعتبارات التوازنات الداخلية وحماية الحصص السياسية لكل مكون، مما جعل عملية صنع القرار أكثر تعقيدًا وبطئًا، خاصة في القضايا السيادية والإصلاحية الكبرى.

تداعيات الأزمة على الدولة والمواطن

أفرزت هذه البنية نوعًا من التداخل بين الدولة والطوائف السياسية، إذ يتعامل المواطن في كثير من الأحيان مع الدولة عبر وسيط سياسي أو طائفي يوفر الحماية أو النفوذ أو الخدمات. هذا الواقع أدى تدريجيًا إلى إضعاف مفهوم المواطنة المتساوية وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة باعتبارها مؤسسات محايدة ومستقلة. من الناحية العملية، لم تكن الأزمة الاقتصادية التي انفجرت منذ عام 2019 معزولة عن طبيعة النظام السياسي؛ فقد كشف الانهيار المالي والنقدي حجم الخلل المتراكم في الإدارة العامة والرقابة المالية وبنية الاقتصاد السياسي اللبناني. أظهر غياب المساءلة الفعالة واستمرار نظام المحاصصة السياسية والإدارية ضعف قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات الضرورية في الوقت المناسب.

تؤكد المقاربة الموضوعية أن أي انتقال جذري ومفاجئ خارج النظام الطائفي دون توفير ضمانات دستورية وسياسية متوازنة قد يثير مخاوف حقيقية لدى مختلف المكونات اللبنانية. لذلك نص اتفاق الطائف على إلغاء الطائفية بصورة تدريجية ومدروسة تراعي الاستقرار الوطني وتحفظ التوازنات الأساسية خلال مرحلة الانتقال.

تتجلى الأزمة اللبنانية اليوم في ثلاثة مستويات مترابطة: الأول يتعلق بعدم استكمال تنفيذ بنود اتفاق الطائف الإصلاحية والدستورية وعدم الانتقال من مرحلة تقاسم السلطة إلى مرحلة بناء الدولة المدنية التدريجية؛ الثاني يتعلق بضعف المؤسسات الرقابية والقضائية والإدارية وعدم قدرتها الكاملة على العمل بمعزل عن التأثيرات السياسية والطائفية؛ والثالث يتعلق باستمرار غياب رؤية وطنية موحدة حول شكل الدولة اللبنانية المستقبلية وطبيعة العلاقة بين الطوائف والدولة ومفهوم السيادة والقرار الوطني.

وبالتالي، لم يعد النقاش في لبنان يدور فقط حول تغيير الحكومات أو تعديل التحالفات السياسية، بل حول كيفية استكمال بناء الدولة وفقًا للمرتكزات الدستورية التي نص عليها اتفاق الطائف نفسه ولم تُطبق بصورة كاملة. جوهر الأزمة لا يكمن في وجود الاتفاق بل في غياب التنفيذ المتوازن والشامل لبنوده الإصلاحية.

إن أي مسار جدي لمعالجة أزمة الحكم في لبنان يقتضي العودة إلى فلسفة الطائف الأصلية باعتبارها مشروع انتقال تدريجي من دولة المحاصصة إلى دولة المؤسسات. يتطلب ذلك تعزيز استقلال القضاء، تطوير الإدارة العامة، تطبيق مبدأ الكفاءة في التعيينات، توسيع مفهوم المواطنة المتساوية، وإنشاء المؤسسات الإصلاحية التي نص عليها الاتفاق، وعلى رأسها الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية ومجلس الشيوخ.

إن استقرار لبنان لا يرتبط بإلغاء التنوع السياسي أو الديني داخل المجتمع، بل بقدرة الدولة على إدارة هذا التنوع ضمن إطار دستوري ومؤسساتي عادل. التحدي الحقيقي ليس وجود الطوائف بحد ذاته، بل كيفية منع تحولها إلى بديل دائم عن الدولة. عندما يصبح القانون هو المرجعية العليا للمواطن والدولة معًا، يمكن الانتقال من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق الاستقرار الدستوري المستدام.