العالم يشرع في البحث عن نظام عالمي جديد في ظل ثورة الصناعة الرابعة

تتصدر مسألة إعادة رسم النظام العالمي الحديث الساحة الدولية، وهو ما يتجلى في عناوين المؤتمرات المتخصصة. من أبرز هذه الفعاليات المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي سيُعقد في كيوتو باليابان تحت شعار «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي»، والذي سيستمر من 18 إلى 20 سبتمبر القادم.
تاريخ المؤتمر وتوجهاته
انطلق هذا التجمع العلمي عام 2020، وقد حملت دورة العام السابق عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». من المقرر أن يستضيف حرم جامعة ريوكوكو النسخة القادمة، حيث سيُعقَد البرنامج في إطار استكمال ما سبق، مع التركيز على محاور مثل الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتقلبة، وتعدد الأقطاب، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.
مفهوم النظام العالمي وتطوره
تندرج جميع هذه المناقشات تحت ما يُعرف بـ«النظام العالمي»، وهو مصطلح يتباين تعريفه بحسب الرؤى والمصالح. يختلف هذا المفهوم عن «النظام الدولي» الذي يقتصر على العلاقات بين الدول والحكومات. إذ يُعدّ الأول إطارًا أوسع يشمل توزيع القوة بين الدول والكيانات غير الحكومية كالشركات والمنظمات الدولية، ما يسمح بفهم أسباب هيمنة بعض الدول، وتكوين أو تفكك التحالفات، وتغيّر خريطة العالم المستمر.
منذ أواخر القرن العشرين، شهد النظام العالمي تحولات جذرية؛ فالفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية اتسمت بالانقسام الرأسمالي‑الاشتراكي أو الغربي‑الشرقي، ما أدى إلى صراع بارد انتهى بانهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط الأنظمة التابعة له. خلال تلك المرحلة لعبت الأمم المتحدة دورًا إطفائيًا محدود الفاعلية. أما الآن، فإن النظام العالمي يتغير بوتيرة أسرع، ويمكن ملاحظة ملامحه من خلال التصريحات الصادرة في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.
رؤية كلاوس شواب للنظام الجديد
يطرح الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، تصورًا طموحًا يُعرف بـ«العصر الذكي». وفقًا له، يمر العالم بمنعطف تاريخي يستدعي تجاوز نموذج الرأسمالية التقليدي القائم على تحقيق الربح فقط، إلى ما يُسميه «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تُلزم الشركات بخدمة المجتمع والموظفين وحماية البيئة إلى جانب تحقيق الأرباح.
تُبنى هذه الرؤية على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، مثل الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء، التي لا تُعتبر أدوات ثانوية بل «شركاء أساسيون» في إعادة تشكيل ملامح الحضارة. من خلال دعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى»، يطالب شواب بتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني كآلية وحيدة لمواجهة أزمات عابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.
انتقادات وجهة نظر شواب
تلقى هذا الطرح انتقادات حادة، إذ يرى معارضوه أن تركيزه المفرط على دمج التكنولوجيا في حوكمة البيانات قد يمهد لخلق نظام رقابة عالمي يقوده النخب الاقتصادية. كما تُثير فكرة الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف بشأن الخصوصية والحريات الفردية، ما يجعل رؤيته محور جدل بين من يعتبرها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يراها محاولة لفرض وصاية عالمية.
موقف دونالد ترامب من النظام العالمي
وفقًا لأبحاث معهد بروكينغز في واشنطن، يُصوّر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فكرة «النظام العالمي» على أنها «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». لا يسعى مشروعه إلى إعادة هيكلة البنية العالمية، بل إلى تثبيت واقع تُمارس فيه الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية والعسكرية دون قيود، وفق منظور «واقعي وصريح» للسياسة الدولية.
يُنظر إلى النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على أنه نتاج اتفاقيات هدفت إلى تجنب تكرار المآسي، شملت تقليل استخدام الأدوات الاقتصادية كالرسوم الجمركية التي قد تُستغل لإلحاق الضرر بدول أخرى، وتثبيت مبدأ عدم السماح للقوى الكبرى بشن هجمات عسكرية على دول أضعف دون مخاوف. ترجمت هذه المبادئ إلى ترتيبات تجارة حرة، وعضوية واسعة في الأمم المتحدة، وتحالفات دفاعية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
منذ عام 1945 وحتى 2024، لعبت الولايات المتحدة دورًا بارزًا في الدفاع عن هذه القواعد، وإن كان ذلك يتخلله تناقضات ونواقص. وفي الوقت الحالي، يهاجم ترامب هذه الأسس عبر فرض عقوبات تجارية، تقليل أهمية التحالفات الأمريكية، وتكرار التهديد باللجوء إلى القوة العسكرية.
تعتمد رؤيته على مبدأ «أميركا أولاً»، متعارضةً مع العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلةً العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية المطلقة.
الصراع الفكري بين القومية والعولمة
يتجسد التناقض بين ترامب وشواب كصراع فكري بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. يفضّل ترامب السيادة الوطنية والصفقات الثنائية المباشرة، ويرى التكنولوجيا أداةً لفرض النفوذ. على العكس، يدعو شواب إلى حوكمة عالمية عابرة للحدود، تُدمج فيها سيادات الدول في إطار تعاون وثيق بين الحكومات والشركات الكبرى والمجتمع المدني، مستندًا إلى «رأسمالية أصحاب المصلحة» وتكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة.
بهذا الشكل، يُصوّر ترامب العالم كساحة صراع تجاري بين دول تسعى لتحقيق مصالحها الذاتية، بينما يرى شواب شبكة موحدة تحتاج إلى إدارة مركزية تعتمد على أنظمة ذكية متكاملة.
هذا التباين الجذري يُقصد صانعي القرار إما الانجراف نحو هوية قومية واقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة. الخيار الأول قد يزيد من التوترات والصراعات، في حين يثير الخيار الثاني مخاوف حول خصوصية الأفراد وتفرد المجتمعات.
تُظهر مواقف أخرى، مثل التزام الاتحاد الأوروبي بدور المنظمة الأممية وتعدد أقطابه، وتطلعات الصين إلى العدالة الاقتصادية، إضافة إلى مطالبة دول الجنوب بالتنمية الشاملة، تنوعًا في المقاربات.
في الختام، يبقى البحث عن نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول أمرًا ملحًا. ومع تزايد الضغوط على النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، يتطلب بناء مستقبل مستدام نموذجًا تعدديًا يرتكز على التعاون، وتضامن القوي مع الضعيف، وتكافؤ الفرص بين الغني والفقير، في عالم يزداد ترابطًا وتعقيدًا.








