الرئيسيةعربي و عالميالذكاء الاصطناعي يحوّل كاميرات المراقبة إلى...
عربي و عالمي

الذكاء الاصطناعي يحوّل كاميرات المراقبة إلى أداة استخباراتية دقيقة

09/06/2026 01:01

أفادت تقارير ومصادر مطلعة أن التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أعاد تشكيل مشهد المراقبة والأمن السيبراني، ما أثار قلقاً متزايداً داخل الأوساط الأمنية الروسية، لا سيما فيما يخص حماية الرئيس فلاديمير بوتين وكبار المسؤولين في الدولة.

المخاوف الروسية بعد محاولة الاغتيال في طهران

ذكرت المصادر أن الأجهزة الأمنية الروسية أوقفت جزئياً تشغيل نظام مراقبة خاص مرتبط بحماية الرئيس وكبار مساعديه، وذلك عقب عملية استهدفت المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران، وما أظهرته من إمكانية استغلال الذكاء الاصطناعي لبيانات كاميرات المراقبة لتحديد الأهداف وتعقبها. وأوضحت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن هذا النظام منفصل عن شبكة المراقبة العامة في موسكو التي تضم نحو ثلاثمائة ألف كاميرا منتشرة في العاصمة، وقد أعيد تشغيله لاحقًا بعد إخضاعه لفحوص تقنية دقيقة شملت عزله بالكامل عن شبكة الإنترنت في محاولة لتقليل مخاطر الاختراق أو الاستغلال الخارجي.

وأضافت المعلومات المتداولة أن هذه الإجراءات الاستثنائية دفعت إلى إعادة تقييم شاملة للبنية الأمنية بعد أن أشارت تقارير استخباراتية إلى استخدام تقنيات تحليل متقدمة يُعتقد أنها مكّنت جهات خارجية من الاستفادة من كميات هائلة من تسجيلات كاميرات المراقبة بهدف تتبع تحركات شخصيات بارزة وتحديد مواقعها بدقة.

قدرات الذكاء الاصطناعي في تحليل الفيديو

حذّر مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) ألكسندر بورتنيكوف مسؤولي الأمن الإقليميين من أن منظومة المراقبة الروسية الواسعة قد تتحول إلى نقطة ضعف خطيرة يمكن للأعداء استغلالها. وقال بورتنيكوف إن «القضاء الأخير على مسؤولين إيرانيين كبار يمثل إشارة تحذير واضحة»، مشيراً إلى أن مواقع الضحايا جرى تحديدها جزئياً عبر «أبواب خلفية» موجودة في أنظمة المراقبة المرئية الإيرانية.

على الرغم من أن اختراق كاميرات المراقبة ليس أمراً جديداً بالنسبة لأجهزة الاستخبارات المتقدمة، فإن التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي أتاح قدرات غير مسبوقة على تحليل البيانات البصرية واستخراج الأنماط السلوكية من كميات هائلة من الصور والفيديوهات. ووفقاً لمسؤولين وخبراء أمنيين، استخدمت الاستخبارات الإسرائيلية هذه التقنيات لرسم خريطة دقيقة لطهران، وتحليل تحركات حراس المسؤولين الكبار، واستخراج أهداف محددة من ملايين الساعات المصورة، ودمجت هذه البيانات مع معلومات استخباراتية أخرى منها مصادر بشرية.

ويؤكد خبراء أن قدرات الذكاء الاصطناعي البصرية شهدت تطوراً كبيراً وتقدماً لافتاً خلال الفترة الأخيرة. فبدلاً من الاقتصار على عمليات بحث محددة مسبقاً، أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على إجراء عمليات بحث باللغة الطبيعية داخل الفيديوهات. على سبيل المثال، يمكن لمحلل استخباراتي أن يطلب من النظام البحث عن «شخصين يتبادلان حقيبة»، أو «شخص غيّر مظهره عدة مرات خلال يوم واحد»، أو «سيارة أعيد طلاؤها حديثاً»، ليجد النظام المشاهد المطلوبة وسط آلاف الساعات من التسجيلات خلال دقائق.

التداعيات العالمية وتوصيات الأمن

وحذّر مسؤولون أمنيون روس من أن منظومات المراقبة الواسعة قد تتحول من أداة حماية إلى نقطة ضعف استراتيجية في حال عدم تأمينها بشكل صارم، مؤكدين أن «أي ثغرة رقمية قد تُستغل في عمليات استهداف دقيقة». وقال مسؤول أوروبي إن هذه التكنولوجيا تمثل «الكأس المقدسة للمراقبة» لأنها تتيح البحث عن السلوكيات وليس فقط عن الأشخاص أو الأشياء، ما يفتح آفاقاً جديدة أمام أجهزة الأمن والاستخبارات.

ويرى خبراء أن هذه القدرات تحول شبكات كاميرات المراقبة المنتشرة في المدن الحديثة إلى مصادر معلومات استراتيجية يمكن للخصوم استغلالها لاستخراج أنماط الحياة والعلاقات والتحركات الخاصة بالأفراد والمنشآت الحساسة. وقد سارعت الهند، على سبيل المثال، إلى فرض قيود على استخدام الكاميرات الصينية داخل البلاد بعد تزايد المخاوف من استغلالها أمنياً.

أما الصين، التي تُعدّ من أكبر مستخدمي أنظمة المراقبة الذكية في العالم، فتستثمر بكثافة في كاميرات وبرمجيات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تستطيع تفسير المشاهد وتحليل السلوكيات والبحث داخل الفيديو باستخدام أوامر مكتوبة. لكن هذه القدرات نفسها قد تتيح لخصومها فرصاً أكبر لاختراق أنظمتها والاستفادة من البيانات التي تجمعها.

وتشير تقديرات خبراء أمنيين إلى أن بعض التقنيات الحديثة باتت قادرة على ربط بيانات الفيديو بمصادر معلومات أخرى تشمل الاتصالات، ووسائل التواصل الاجتماعي، وسجلات التنقل؛ ما يخلق صورة شاملة عن تحركات الأفراد وسلوكهم اليومي.

رغم هذا التطور، يؤكد محللون أن هذه الأنظمة ليست مطلقة الدقة؛ إذ لا تزال تواجه تحديات تقنية وعملانية، خصوصاً في البيئات المعقدة أو في مواجهة أساليب تمويه تقليدية تعتمدها بعض الجماعات المسلحة.

ويخلص مراقبون إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يمثل تحولاً جذرياً في عالم الاستخبارات والمراقبة؛ إذ نقل كاميرات المدن من أدوات تسجيل سلبية إلى شبكات تحليل نشطة، قادرة على إعادة تشكيل مفهوم الأمن والاختراق في آن واحد، مما يفرض على الدول إعادة النظر في استراتيجيات الحماية الرقمية والبنية التحتية الأمنية.