الحرب الأمريكية‑الإيرانية تتحول إلى نظام وظيفي يعرقل نهايتها

تتجدد التساؤلات حول استمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ولكن السؤال الحقيقي لا يقتصر على سبب تصعيده، بل على السبب الذي يمنع توقفه رغم عدم رغبة أي طرف في توسيع الفجوة. في ظل محاولات الرئيس الأمريكي ترامب للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عبر مكالمتين هاتفيتين، وإعتراض طهران على صواريخها بحساب، يصف البيت الأبيض أي اتفاق محتمل بأنه قريب، في ذات الليلة التي شهدت هجمات على سواحل هرمز عقب سقوط طائرة “أباتشي”.
الحرب كمنظومة إدارية
المغزى الأساسي هو أن الصراع لم يعد مجرد حدث ينتظر نهايته، بل أصبح بنية إدارية يقتنص منها كل طرف مهام لا يستطيع السلم إنجازها. فالأطراف تستفيد من الحرب بطرق لا تتوفر في أجواء السلام.
ما تكسبه طهران من الصراع
إيران تستغل النزاع لتغطي نقص في أربع اتفاقيات تفاوضية: الغموض. منذ أكثر من ثلاثة أشهر لا يُعرف مصير ما يقارب 440.9 كغ من اليورانيوم المخصب، وهو أكبر مخزون لهذا العنصر لدى دولة غير نووية في التاريخ. وعلى الرغم من أن الاتفاق النووي كان يهدف إلى الشفافية، إلا أن طهران حولته إلى سلاح ردع؛ فهي لا تملك قنبلة نووية بالضرورة، لكن لديها ما يُصعب على أي جهة إثبات عدم امتلاكها، وهو ردع أكثر فعالية وأقل تكلفة من التسلح الفعلي.
المكسب الإسرائيلي والأمريكي
لإسرائيل، يضيف الصراع دمجاً واقعياً مع واشنطن يجعل أي تسوية بين طهران والولايات المتحدة تُصنّف كخيانة، وهو ما يعزز موقف نتنياهو أمام الانتخابات المقبلة في أكتوبر. أما الحرس الثوري، فالعنصر الأساسي هو شرعيته؛ نظامه نشأ من حرب ولا يُعاد تشكيله إلا عبر صراع جديد. وفي الجانب الأمريكي، يتيح النزاع لترامب مسرحاً يُظهر فيه نفسه المتحكم في جميع القرارات، رغم أن نسبة ثلثي الأمريكيين تعتبر مفاوضاته فاشلة.
دليل الأسواق على تحول الحرب إلى نظام
الأسواق المالية أظهرت يوم أمس انخفاضاً بنسبة ثلاثة بالمائة في أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها خلال سبعة أسابيع، بالرغم من وجود اشتباك مباشر بين الجانبين. ما كان في السابق يتفاعل مع كل تصريح صار الآن يتثاءب أمام الصواريخ، لأن السوق اعتبرت الصراع بيئة ثابتة لا حدثًا متقلبًا. وهذا الانخفاض في تكلفة استمرار الحرب يعني أن الدافع الأخير لإنهائها قد اختفى، فالتعايش مع النزاع لا يطفئه، بل يمدّه بعمرٍ أطول.
العوامل المحتملة لكسر الحلقة
مع ذلك، لا يزال هناك ثلاثة محاور قد تُحدث تغييرًا: وكالة الطاقة الذرية في فيينا ستصوت قريبًا على قرار قد يدفع طهران إلى الانسحاب المعلن من معاهدة الانتشار؛ واللبنانيون يواجهون شرطًا إيرانيًا ترفضه إسرائيل بشدة؛ وأخيرًا، الحادثة التي نجت فيها طائرة “أباتشي” من السقوط قد تفتح جبهة جديدة إذا ما توفي طياراها. فإذا ما حدث أي من ذلك، قد يتغير مسار الصراع.
إن المؤشرات تشير إلى احتمال تصعيد لا ينبع من قرار سياسي بل من فقدان أي طرف مصلحة في منع ذلك. الحروب التي تبدأ بقرار تنتهي بقرار؛ أما التي تتحول إلى وظيفة، فتنتهي فقط عندما تعجز عن دفع أجور موظفيها.





