الرئيسيةعربي و عالميالأمير تركي الفيصل يربط بين الإيمان...
عربي و عالمي

الأمير تركي الفيصل يربط بين الإيمان والأخلاق ومواجهة تحديات البشرية

10/06/2026 23:01

خلال الجلسة الافتتاحية للملتقى الدولي “من الحوار بين الأديان إلى التعاون بين أتباع الأديان” الذي أقامه مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، ألقى سمو الأمير تركي الفيصل كلمة تناولت فيها ضرورة استمداد البشرية لمرجعيات أخلاقية وروحية لتوجيه إمكاناتها نحو غايات تنفع الإنسان وتحفظ كرامته.

الإيمان والأخلاق كأساس للمواجهة

أكد سموه أن القدرة التقنية والعلمية المتوفرة للإنسان اليوم لا تعني بالضرورة القدرة على توجيهها بصورة صحيحة؛ إذ يفتقر العالم إلى القيم الروحية التي تضع حدوداً لاستخدام هذه القدرات في خدمة الإنسانية. واعتبر أن الإيمان والأخلاق يمثلان “العُدة الحقيقية” لمواجهة الفوضى التي تعصف بالعالم.

أهمية اللقاءات متعددة الأديان

أشار الأمير إلى أن التقاء ممثلين من مختلف التقاليد الدينية والفكرية يتطلب انفتاحاً وتجاوزاً للأحكام المسبقة، مؤكدًا أن مشاركة هؤلاء القادة لا تُعد أمرًا بديهيًا بل هي جهد واعٍ يهدف إلى بناء فهم مشترك والعمل من أجل أهداف إنسانية موحدة. وقد شارك في اللقاء الشيخ الدكتور محمد العيسى، أمين عام رابطة العالم الإسلامي ورئيس هيئة علماء المسلمين، إلى جانب عدد من المفكرين والباحثين الدوليين.

إنجازات العصر الحديث وتحديات الشباب

لفت سموه إلى ما حققته البشرية في العقود الأخيرة من مكاسب في مكافحة الجوع والأوبئة وتوسيع دائرة المعرفة، معبرًا عن شكره لهذه النعم التي تقوي الإنسان في مواجهة الصعاب. ثم انتقل للحديث عن جيل الشباب، موضحًا التناقض بين اتصاله الواسع بالتقنية وشعوره المتزايد بالوحدة والقلق تجاه المستقبل. وحذر من أن تراجع الأمل بين الشباب لا يمثل مجرد أزمة فردية، بل يعكس اضطرابًا أعمق في بنية المجتمع.

الأسرة كقوة اجتماعية أولى

ناقش سموه دور الأسرة باعتبارها النواة التي تحافظ على الذاكرة وتورّث القيم، معربًا عن قلقه إزاء تآكل الروابط الأسرية وتفكك أواصر الأجيال في الوقت الراهن. وأوضح أن ضعف الأسرة ينعكس سلبًا على صلابة المؤسسات والدول، ويترك الفرد في حالة من الضياع لا يمكن لأي بديل اجتماعي أن يعوضه.

النزاعات، القواعد الإنسانية وتحديات التقنية

حذر الأمير من أن تفاقم الصراعات لا يقتصر على العنف نفسه، بل يمتد إلى تراجع الالتزام بالمعايير الإنسانية التي صُنعت لتقليل معاناة المدنيين. وأشار إلى تآكل هذه الضوابط، بما في ذلك حماية الجرحى والأطفال وأماكن العبادة، ما يزيد من حجم الألم ويقوّض الأسس الأخلاقية للقوانين.

فيما يخص الثورة التقنية، شدد سموه على أن الذكاء الاصطناعي يوفر قدرات غير مسبوقة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الفجوة بين القوة المتاحة ومستوى الحكمة المطلوبة لتوجيهها بمسؤولية. وحذر من الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية في القضايا الأخلاقية دون وجود ضمير وقيم تُقيد استخدامها. وأشار إلى أن البابا فرانسيس قبل أيام دعا إلى “نزع سلاح” الذكاء الاصطناعي وتوجيهه لخدمة الإنسان العام.

التحديات الاقتصادية والبيئية

سلط سموه الضوء على المخاوف المتزايدة المتعلقة باتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، إضافة إلى القضايا الحرجة مثل الأمن المائي والغذائي والطاقة، مؤكدًا أن هذه المشكلات تؤثر بشكل مباشر على حياة مليارات البشر وتستلزم استجابات جماعية تتجاوز الحدود الوطنية والثقافية.

أكد أن هذه التحديات لا تنبع من نقص الموارد، بل من أزمة أخلاقية وروحية أعمق. فبينما تسير البشرية قدماً في مجال الإنجاز والابتكار، تراجعت القدرة على طرح السؤال “ما الذي ينبغي فعله” لصالح السؤال “ما الذي يمكن فعله”، ما أدى إلى إضعاف البوصلة القيمية التي توجه القرارات الفردية والجماعية.

الإيمان كمنبع للمعايير الأخلاقية

أوضح الأمير أن الأديان عبر التاريخ ساهمت في ترسيخ معايير تساعد الإنسان على التمييز بين ما يجوز وما لا يجوز، وتوفر إطارًا أخلاقيًا للتعامل مع القضايا الكبرى. وأشار إلى قيم رعاية الضعفاء، وإغاثة المحتاج، واحترام الجار، والصفح عن العدو كركائز يمكن للمجتمعات المؤمنة أن تبني عليها في مواجهة أزماتها.

وأكد أن الإيمان لا يكتمل إلا عندما يتحول من خطاب نظري إلى عمل عملي من خلال التعاون بين أتباع الديانات والمجتمعات. وأكد على أن التحديات التي تواجه الأجيال الحالية والمستقبلية تتطلب شراكات حقيقية تقوم على الفهم المتبادل والسعي المشترك لخدمة الإنسان وحفظ كرامته.

تاريخ من التعاون بين الأديان

استعرض سموه أمثلة تاريخية على التفاهم بين الأديان، بدءًا من تحية البابا بولس السادس للعالم الإسلامي عام 1965، وردّ الملك فيصل بن عبدالعزيز عليها في موسم الحج، مرورًا بمحاولة إعداد بيان مشترك حول القدس عام 1974 بينهما، إلى مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز عام 2008 لتأسيس مركز عالمي للحوار بين أتباع الأديان في لشبونة، مستذكراً أن هذه الجهود تعود إلى عهد الرسول محمد ﷺ الذي جمع مكونات المدينة المتنوعة في أمة واحدة على أساس المسؤولية المشتركة وحفظ الحقوق.

دعا الأمير إلى التمييز بين الرؤية العالمية المشتركة للتحديات الإنسانية والخصوصيات المحلية التي تختلف من مجتمع لآخر، مؤكدًا أن أي حل يجب أن يراعي احتياجات كل مجتمع وظروفه. وأعرب عن أمله في أن تسهم مثل هذه اللقاءات في ترسيخ بوصلة أخلاقية تستند إلى الإيمان بالمسؤولية والقيم المشتركة، لتقوية فرص التعاون والعمل المشترك من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية.

واختتم كلمته بالآية الكريمة: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، مشددًا مرة أخرى على أن الإيمان والأخلاق هما العدة الحقيقية لمواجهة تحديات البشرية في عالم مضطرب.