مقطع مطاردة فتاة في بغداد يجدد الجدل حول التحرش في العراق

أثار تسجيل مصور يُظهر مجموعة من الشبان وهم يطاردون فتاة ويحاولون تطويقها بمركباتهم في أحد شوارع العاصمة العراقية بغداد موجة غضب عارمة. وعلى إثر ذلك، تحركت الأجهزة الأمنية وتمكنت من إلقاء القبض على عدة أشخاص مشتبه في تورطهم بالواقعة، وفقاً لما تم تداوله من معلومات حول الحادثة.
وتأتي هذه الحادثة لتُعيد فتح ملف التحرش الجماعي في العراق، خاصة في ظل تكرر حوادث مماثلة خلال الشهور الماضية، وتزايد الدعوات إلى تشديد العقوبات والانتقال من ردود الفعل بعد انتشار المقاطع إلى إجراءات وقائية تمنع حدوثها.
حوادث متكررة
لا تبدو حادثة بغداد معزولة، حيث شهد العراق ثلاث حوادث جماعية تم توثيقها بالفيديو خلال فترة تقارب ثمانية أشهر.
ففي بداية يناير 2026، انتشر مقطع يوثق تحرشاً جماعياً بفتاة على كورنيش البصرة، قبل أن يعلن محافظ المدينة القبض على 17 شخصاً على خلفية الحادث، وفقاً لموقع “بغداد اليوم”.
وفي أبريل، قامت شرطة بغداد باعتقال خمسة متهمين ظهروا في تسجيل يوثق اعتداء على فتيات في منطقة الدورة، كما تم ضبط سيارة بدون لوحات يُعتقد أنها استُخدمت في الواقعة، حسب ما ورد في “بيان أمني”.
ومع ذلك، لا تكفي هذه الوقائع للجزم بوجود ارتفاع إحصائي في معدلات التحرش، إذ لا تنشر السلطات العراقية سلسلة سنوية مستقلة توضح أعداد البلاغات والمحاكمات والإدانات المتعلقة بالتحرش في الأماكن العامة.
لكن المسح المتكامل للأوضاع الاجتماعية والصحية للمرأة لعام 2021 أظهر أن 5.9 بالمئة من النساء بعمر 15 عاماً فأكثر تعرضن لشكل من أشكال العنف من أشخاص آخرين، منها 4.8 بالمئة للعنف اللفظي و1.6 بالمئة للعنف الجنسي. وشمل المسح حوادث وقعت في الشوارع والأسواق ووسائل النقل وأماكن العمل، وفقاً لبيانات “الأمم المتحدة”.
ماذا يقول القانون؟
ينص قانون العقوبات العراقي، وفق المادة 402، على معاقبة مرتكب التحرش في مكان عام بالحبس لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وترتفع العقوبة إلى ستة أشهر إذا كرر المحكوم عليه الفعل خلال سنة من الحكم السابق.
وبعد تعديل الغرامات عام 2008، أصبحت غرامات الجنح تتراوح بين 200 ألف ومليون دينار عراقي، بدلاً من المبالغ الرمزية الواردة في “قانون العقوبات الصادر عام 1969”.
وقد ترتفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنة إذا تم تكييف الواقعة باعتبارها فعلاً مخلاً بالحياء وقع دون رضا الضحية، وفق المادة 400. كما يمكن إضافة اتهامات أخرى، مثل الاعتداء أو التهديد أو تقييد الحرية، إذا أثبت التحقيق استخدامها في ملاحقة الضحية أو منعها من المغادرة.
وفي المقابل، يقدم قانون العمل لعام 2015 تعريفاً أكثر وضوحاً للتحرش الجنسي داخل بيئة العمل، ويعاقب مرتكبه بالحبس حتى ستة أشهر أو بغرامة تصل إلى مليون دينار، لكنه لا يوفر مظلة قانونية شاملة للتحرش في الشوارع ووسائل النقل والأماكن العامة.
وأطلقت وزارة الداخلية العراقية رقم الطوارئ الموحد 911 لتلقي البلاغات على مدار الساعة، كما وجّه وزير الداخلية في يونيو 2025 بتفعيل دور الشرطة المجتمعية في الحد من التحرش.
غير أن تتابع المقاطع المصورة والاعتقالات اللاحقة لها يطرح تساؤلات حول فعالية التدابير الوقائية. فالقضية لم تعد مرتبطة بسرعة القبض على المتورطين بعد انتشار الفيديو، بل بوجود قانون رادع وآلية آمنة للإبلاغ ودوريات قادرة على حماية الضحايا قبل أن تتحول نجاتهن إلى مقاطع يتداولها الملايين.





