هدنة الطاقة بين روسيا وأوكرانيا: مبادرة ترامب تواجه اختباراً مبكراً

مبادرة ترامب ورد الفعل الميداني
بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبادرة لوقف استهداف منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، عادت الصواريخ الروسية لضرب محطات الكهرباء والتدفئة في كييف، بينما كشفت تصريحات أوكرانية عن ضغوط أميركية لوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية.
أعلنت السلطات الأوكرانية يوم الأربعاء عن تعرض منشآت الطاقة في كييف ومناطق أخرى لهجوم روسي بالصواريخ الباليستية، استهدف محطات توليد الكهرباء والتدفئة والبنية التحتية المرتبطة بها. وقال رئيس الوزراء الأوكراني إن الضربات طالت محطات التوليد المشترك الثلاث في كييف، بالإضافة إلى منشآت حيوية في محيط العاصمة ومقاطعة خاركيف.
وكان الرئيس فولوديمير زيلينسكي قد أعلن مساء الثلاثاء أن محطة التوليد الرابعة في كييف كانت هدفًا رئيسيًا للهجوم وأُصيبت مباشرة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن نحو 600 ألف شخص.
ولم تقتصر الهجمات على قطاع الطاقة؛ فقد أعلنت شركة السكك الحديدية الأوكرانية عن تعرض منشآتها في خمس مقاطعات لضربات ألحقت أضرارًا بمستودعات القاطرات ومنشآت الصيانة والمحطات، وعطّلت إمدادات الكهرباء وأغلقت بعض المسارات.
غياب الآلية والتساؤلات حول الاتفاق
في الحادي عشر من أكتوبر أعلن ترامب مبادرته، لكن الإعلان لم يرافقه تفاصيل واضحة بشأن موعد التنفيذ أو آلية مراقبة الالتزام. وزاد الغموض بعد أن قال زيلينسكي إنه علم بالإعلان من وسائل التواصل الاجتماعي، بينما اكتفى الجانب الروسي بالإشارة إلى استمرار الاتصالات.
ويشير الباحث السياسي محمد كلش إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب اتفاق فعلي بين الطرفين، موضحًا أن موسكو تكتفي بالإشارة إلى استمرار الاتصالات، بينما تشترط كييف وقف استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية للالتزام بالاتفاق، وهو ما لم يحدث. ويضيف أن تكثيف الاتصالات الأميركية مع الجانبين قد يفتح الباب لتفاهم لاحق، لكن التطورات الحالية لا تشير إلى وجود هدنة قائمة.
ويتفق معه خبير الشؤون الروسية الدكتور نبيل رشوان، مؤكدًا أن الأطراف لم تتفق على أي آلية لتنفيذ المقترح، وأن هذا الغياب لا يتعلق فقط بتفصيل إجرائي بل يثير تساؤلات حول المنشآت التي ستشملها التهدئة، وكيفية التحقق من وقف الهجمات، والتعامل مع أي انتهاك محتمل.
الضغط الأميركي وموازين القوة
يتجاوز الخلاف مسألة التوقيت إلى طبيعة الأهداف التي يسعى كل طرف لتحييدها؛ فبينما تواصل روسيا استهداف منشآت الكهرباء والتدفئة الأوكرانية، تستهدف كييف مصافي النفط والبنية اللوجستية للطاقة داخل روسيا، باعتبارها موردًا يدعم قدرة موسكو على مواصلة الحرب.
وفي مقابلة مع الإذاعة الوطنية العامة الأميركية، قال زيلينسكي إن إدارة ترامب حذرت من احتمال وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف إذا لم تتوقف عن مهاجمة المصافي الروسية. ورفض اتهامات ترامب لكييف بالتسبب في ارتفاع أسعار الديزل، مؤكدًا أن بلاده لن توقف هذه الضربات ما دامت روسيا تواصل مهاجمة منشآت الطاقة الأوكرانية.
ويشير رشوان إلى حجم الضرر الذي لحق بقطاع التكرير الروسي، dizendo إن نحو نصف المصافي تعرضت لضربات، وإن إصلاح المصفاة الواحدة قد يستغرق ستة أشهر على الأقل، مع الحاجة إلى قطع غيار غربية.
ويرى رشوان أن الرئيس الأميركي يمتلك أدوات للضغط على الطرفين، لكن غياب آلية تنفيذ متفق عليها يظل العقبة الأساسية. أما كلش فيعتبر أن أدوات الضغط الأميركية غير متكافئة، وأن تأثيرها على كييف أكبر بكثير من تأثيرها على موسكو.
ويوضح أن واشنطن تستطيع الضغط على أوكرانيا عبر المساعدات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية، فضلًا عن إمكانية تعطيل آليات شراء الأسلحة الأميركية التي تمولها الدول الأوروبية، وهي أدوات مؤثرة لأن كييف تعتمد على الدعم الغربي في جوانب أساسية من دفاعها.
في المقابل، تمثل العقوبات الاقتصادية أبرز أدوات الضغط على روسيا، لكنها أقل فاعلية في دفعها إلى تنازلات بسبب قدرتها على التكيف معها. وبذلك تواجه إدارة ترامب معضلة: وسائل ضغط قوية على الطرف الأوكراني، وأدوات محدودة التأثير على القرار الروسي.
مستقبل المبادرة: مؤجّلة أم متعثرة؟
تكشف التطورات الأخيرة عن فجوة بين الرغبة الأميركية المعلنة في وقف استهداف منشآت الطاقة، ومواقف موسكو وكييف من شروط ذلك. فأوكرانيا ترفض وقف ضرباتها على المصافي الروسية دون التزام مقابل بوقف الهجمات على منشآتها الكهربائية، بينما لم تتضح التزامات روسية محددة تجاه المبادرة.
وتتفق قراءتا رشوان وكلش على أن غياب آلية متفق عليها يعد مشكلة جوهرية. وفي ظل استمرار الضربات وعدم الإعلان عن تفاهم تفصيلي، يصعب وصف ما جرى بأنه انهيار لاتفاق دخل حيز التنفيذ. لكن المؤكد أن مبادرة ترامب تواجه اختبارًا مبكرًا، قبل أن تتحول إلى ترتيبات ملزمة على الأرض.





