الرئيسيةعربي و عالميالأمير تركي الفيصل يدعو إلى نظام...
عربي و عالمي

الأمير تركي الفيصل يدعو إلى نظام دولي جديد عادل وشامل ويحذّر من انهيار الهيكل الحالي

18/06/2026 01:01

أكد الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية يعاني في الوقت الراهن من تصدّع وانهيار، مشيراً إلى أن التمسك بمنطق توازن القوى وصراع الدول الكبرى لم يعد مقبولاً كخيار. وشدّد على أن المسار الوحيد الممكن يتمثل في إعادة هيكلة هذا النظام ليكون أكثر عدالة وشمولية، معبراً عن الواقع الدولي الراهن، بحيث تتوزع القوة بين مراكز متعددة بدلاً من تركيزها في قطب واحد. وأوضح أن المنطقة العربية والإسلامية هي الأكثر تضرراً من ظلم هذا النظام، وأن تحقيق السلام والاستقرار العالميين لا يمكن أن يتم إلا من خلال احترام القانون الدولي والتحاكم إلى العقل والأخلاق والإنصاف.

كلمة في أكسفورد: رؤية إسلامية للنظام العالمي

جاءت هذه التصريحات خلال محاضرة ألقاها الأمير تركي الفيصل في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، تحت عنوان «النظام العالمي اليوم: رؤية إسلامية»، وذلك قبل يومين من الآن. وقد دُعي إليها من قبل مدير المركز الدكتور فرحان نظامي، الذي أثنى على دور الأمير تركي على مدى أربعة عقود في جعل المركز واحداً من أبرز المؤسسات المعنية بالدراسات الإسلامية على الصعيد العالمي.

واستعاد الأمير تركي في كلمته خطاباً ألقاه الملك تشارلز الثالث في المركز عام 1993، عندما كان ولياً للعهد، أكد فيه أن الروابط بين العالمين الإسلامي والغربي أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل عالم يزداد ترابطاً.

بيئة استراتيجية مضطربة وتحذيرات من «قانون القوة»

وصف الأمير تركي البيئة الاستراتيجية الحالية بأنها مضطربة وغير مستقرة، تسودها النزاعات والحروب وتجاهل القانون الدولي ومؤسساته. واستحضر تصوير الفيلسوف البريطاني توماس هوبز لـ«حالة الطبيعة» باعتبارها «حرب الكل ضد الكل». كما أشار إلى تحذير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن استبدال «قوة القانون» بـ«قانون القوة» يؤدي إلى تقويض مصداقية النظام الدولي القائم على القواعد ويزيد من معاناة البشر.

ونوّه إلى ما ذكره رئيس وزراء كندا مارك كارني في خطابه بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام (2026)، حيث وصف اللحظة الراهنة ليس بأنها مرحلة انتقال، بل بأنها «تمزّق» للنظام الدولي القائم على القواعد.

من الثنائية القطبية إلى الأحادية الانفرادية

استعرض الأمير تركي المراحل التي مر بها النظام الدولي منذ عام 1945، موضحاً أنه نجح في تجنيب العالم حروب القوى الكبرى، وساهم في تحرير شعوب كثيرة — من بينها دول إسلامية — من الاستعمار، ورسّخ مبادئ المساواة بين الدول وحق تقرير المصير وسيادة القانون الدولي. لكنه أشار إلى أن هذا النظام تحول من الثنائية القطبية إلى أحادية قطبية، ثم إلى ما وصفه بـ«الأحادية الانفرادية» التي تتجاهل قواعد الانتماء إلى نظام دولي.

وأشار إلى أن العالم كان يأمل أن يؤدي هذا التحول إلى نظام أكثر إنصافاً يجسّد المبادئ التي بشّرت بها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، مثل سيادة القانون وحق تقرير المصير وحقوق الإنسان والحرية والمساواة — وهو الحلم الذي طالما تطلع إليه ونستون تشرشل حين دعا إلى «نظام عالمي تحمي فيه مبادئ العدل والإنصاف الضعيفَ من القوي». لكن هذا الأمل تبدّد مع صعود النزعات القومية والإرهاب العالمي، ثم مع أحداث 11 سبتمبر والحربين على أفغانستان والعراق، حيث تحولت الأحادية القطبية إلى نزعة انفرادية تتجاهل مقتضيات النظام الدولي.

المنطقة الإسلامية الأكثر تضرراً وإصلاح الفيتو

أوضح الأمير تركي أن الحروب على العراق وأفغانستان، ثم على غزة ولبنان وإيران، دفنت الأحادية القطبية لكنها لم تدفن النزعة الانفرادية في قضايا الحرب والسلم. وأكد أن العودة إلى منطق القوة وما يستتبعه من حروب كبرى ليس حلاً، وأن العالم لا يحتاج إلى حرب عالمية جديدة لولادة نظام عالمي جديد.

وشدد على أن البديل الوحيد القابل للحياة هو إعادة هيكلة النظام الدولي القائم ليكون عادلاً وشاملاً ومعبّراً عن الواقع الدولي، متسائلاً كيف يمكن قبول غياب التمثيل الفعّال لمليار ونصف المليار مسلم، وأكثر من مليار هندي، وقرابة المليار أفريقي، وأكثر من نصف مليار من أبناء أمريكا اللاتينية على رأس هذا النظام.

وأكد أن المنطقة الإسلامية، وفي قلبها العالم العربي، كانت الأكثر تضرراً من ظلم النظام الدولي في جميع مراحله، موضحاً أنها ظلت المذبح الذي ضُحّي على أعتابه بمبادئ هذا النظام، وأن الفلسطينيين حُرموا — بالمبادئ ذاتها — من وطنهم ومن حقهم الأساسي في تقرير المصير وإقامة دولتهم. وأشار إلى أن استخدام حق النقض (الفيتو) كان دائماً حائلاً دون أي مسعى فلسطيني لنيل الاعتراف بالدولة في مجلس الأمن، مؤكداً أن الدعم الأوروبي والأمريكي المتواصل «للوحش في تل أبيب» هو السبب وراء كل الشرور في الشرق الأوسط.

واستذكر قول خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز — رحمه الله — إزاء عجز المجتمع الدولي عن وقف نزيف الدم في سوريا: إن الثقة بالأمم المتحدة قد اهتزّت، وإنه لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تتحكم في العالم إلا بالعقل والأخلاق والإنصاف. واقترح الأمير تركي منح الجمعية العامة سلطة تشريعية دولية لا تخضع للنقض، والبدء بإصلاح نظام الفيتو بحيث لا يجوز نقض القرارات التنفيذية المنبثقة عن قرار سبق إقراره، كما هو الحال في القرارين 242 و338 المتعلقين بالاحتلال الإسرائيلي.

الصراع الراهن بين واشنطن وتل أبيب وطهران

تناول الأمير تركي الاشتعال الراهن للصراع المسلح بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واصفاً إياه بأنه تجلٍّ خطير للاستخدام المنفلت للوسائل العسكرية، وانعكاس لثلاث رؤى نهاياتية للعالم: عقيدة انتظار الإمام الغائب لدى إيران، وإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات لدى الإسرائيليين، وإعادة بناء الهيكل في القدس لدى الصهيونية المسيحية. وأوضح أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نصح بتجنّب الخيار العسكري منذ البداية، شأنه شأن سائر قادة دول الخليج، ومع ذلك أصبحت دول الخليج هدفاً لضربات إيرانية انتقامية رغم امتناعها عن الرد بالمثل، مؤكداً أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر.

وفي ختام كلمته، شدد الأمير تركي على أن وجود نظام دولي فعّال قائم على القواعد كان كفيلاً بمنع هذا الصراع وما سبقه من صراعات منذ تأسيس الأمم المتحدة قبل واحد وثمانين عاماً، مختتماً بآية من القرآن الكريم: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).