خالد الحربي يروي مسيرته الفنية وتجربة الأبوة مع ابنه فيصل: من المسرح إلى السينما السعودية

في مسار طويل يتقاطع فيه المسرح بالتلفزيون والسينما، يبرز الفنان والمنتج السعودي خالد الحربي كأحد الأسماء التي لم تكتفِ بالحضور داخل المشهد الفني، بل شاركت في تشكيله من الداخل. بين التمثيل والكتابة والإنتاج، راكم الحربي تجربة ممتدة اتسمت بالتنوع والاشتباك مع القضايا الاجتماعية، ليصبح حضوره جزءًا من ذاكرة الدراما السعودية لا مجرد محطة عابرة فيها.
مسيرة فنية ممتدة وتجربة إنتاجية
وينتمي الحربي إلى جيل أسس لمرحلة مبكرة من التحول المسرحي في المملكة، كونه عضوًا مؤسسًا في جمعية المسرحيين السعوديين، ومستشارًا في جمعية الثقافة والفنون، وهو ما منحه موقعًا مزدوجًا بين الممارسة الفنية وصناعة القرار الثقافي. وقد تنقل عبر عشرات الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية، مقدمًا شخصيات متعددة في أعمال بارزة، من بينها “بابا فرحان” و”أيام وليالي” و”الساكنات في قلوبنا”، إضافة إلى حضوره المسرحي الذي تُوج بأعمال لافتة مثل “وجبة سريعة” و”هاملت أخرج من رأسي”.
وفي ظل هذا الامتداد، لم تكن تجربة الحربي مجرد تراكم أعمال، بل مشروعًا فنيًا قائمًا على سؤال الهوية والوظيفة الاجتماعية للفن، بين ما يفرضه السوق وما يقتضيه الإبداع، وبين ما يقال على الخشبة وما يترك بين السطور.
الصدق والذكاء في تقديم الفكرة
وفي حديثه عن الفكرة والطرح، قال خالد الحربي إن الصدق يبقى أساس العمل الفني، لكنه يرى أن طريقة إيصال الرسالة لا تقل أهمية عن مضمونها، موضحًا: “أؤمن بصدق الفكرة أولًا، لكن التجربة علمتني أن الصدمة ليست هدفًا بحد ذاتها. اليوم أفضل تقديم الفكرة بطريقة تدفع الجمهور للتفكير دون أن تنفره. دراستي لعلم الاجتماع ساعدتني على فهم أن إيصال الرسالة يحتاج إلى ذكاء في الطرح، فالأهم ليس فقط أن تقول ما تريد، بل أن تصل فكرتك للمتلقي بصورة يتقبلها ويفهمها”.
فيصل الحربي: مسيرة مستقلة داخل بيت الفن
وتوقف الحربي عند تجربة ابنه المخرج والمنتج فيصل الحربي، مؤكدًا أنها لم تكن مجرد امتداد لرحلته الفنية، بل تجربة مستقلة تشكلت مبكرًا داخل بيئة فنية عاشها فيصل منذ طفولته.
وقال: “نشأ فيصل داخل بيئة فنية منذ طفولته. عاش أجواء التصوير والمسرح وشارك معي في أعمال عدة وهو صغير، مثل ‘بابا فرحان’، وكان شغوفًا بالكاميرات والتصوير منذ وقت مبكر. لاحقًا درس الإعلام والإذاعة والتلفزيون، ثم واصل دراسته في الخارج، واحتك مبكرًا بكواليس العمل الفني والإنتاجي. لكن الأهم من كل ذلك أنه يمتلك موهبته الخاصة وشغفه المختلف، خصوصًا تجاه السينما. لذلك لا أراه مجرد امتداد لي، بل تجربة قائمة بذاتها. ولو لم يمتلك الموهبة الحقيقية لما استطاع أن يستمر أو يحقق ما وصل إليه”.
وعن تكوّن هوية فيصل الفنية، قال الحربي إن الفنان لا يصل إلى حالة اكتمال نهائية، معتبرًا أن التشكل الفني عملية مستمرة لا تتوقف مع الزمن، مضيفًا: “الفنان لا يكتمل أصلًا، والتشكل الفني يستمر طوال العمر. كثير من المخرجين والمؤلفين تغيرت رؤاهم مع الزمن. فيصل بدأ ممثلًا، ثم اتجه للإخراج وكتابة الأفلام القصيرة، قبل أن يجد نفسه أكثر في مجال الإنتاج، حيث استطاع أن يطور خبرته ويحقق نجاحه الخاص. ومع ذلك، أعتقد أن رحلته الفنية ما زالت مستمرة ولم تصل إلى محطتها الأخيرة بعد”.
بين الأبوة المهنية والقلق الإنساني
وفي تقييمه لتجربة ابنه بصراحة، أشار خالد الحربي إلى أن فيصل يمتلك موهبة واضحة في أكثر من جانب، لكنه وجد ذاته الحقيقية في إدارة الإنتاج، موضحًا: “فيصل موهوب في أكثر من جانب، لكنه وجد شغفه الحقيقي في إدارة الإنتاج، وهناك ظهر نضجه الفني بشكل واضح. يمتلك قدرة كبيرة على إدارة العمل من الفكرة حتى التسليم، سواء على مستوى التنظيم أو الدعاية أو متابعة التفاصيل الإنتاجية، وهذه مهارة ليست سهلة. أما الإخراج، فقد مارسه في مرحلة مبكرة ثم ابتعد عنه، لذلك أرى أن المجال الذي اختاره اليوم هو الأقرب لطبيعته وشخصيته”.
كما تطرق الحربي إلى تأثير اسمه الفني على حضور فيصل داخل الوسط الفني، مؤكدًا أن العلاقات داخل الصناعة تحمل دائمًا وجهين مختلفين، وقال: “العلاقات في الوسط الفني تحمل جانبين دائمًا. هناك من قد يتعامل بإيجابية لأن فيصل ابن خالد الحربي، وهناك من قد يتحفظ للأسباب نفسها. لكن في النهاية، هذه الأمور لا تصنع النجاح الحقيقي ولا تضمن الاستمرار. ما يبقى فعلًا هو الموهبة والعمل”.
ورغم العلاقة العائلية، شدد الحربي على الفصل الكامل بين الأبوة والعمل أثناء التصوير، مضيفًا: “أثناء العمل أنسى تمامًا أنه ابني. حتى ابنتي عملت معي مساعدة مخرج في إحدى المسرحيات، وكنت أتعامل معها بالمنطق المهني نفسه. لكن أحيانًا، عندما أرى ضغط العمل والإرهاق الطويل في مواقع التصوير، أتذكر الجانب الأبوي وأشعر بالقلق عليه، وأتمنى أن تمر الأمور عليه بسلام”.
وعن الخلافات الفنية بينهما، أوضح أن الاختلاف جزء طبيعي من أي تجربة إبداعية ناضجة، قائلًا: “نختلف كثيرًا، وهذا طبيعي وصحي. نتناقش حول النصوص والأفكار والرؤى الفنية، وأحيانًا أتنازل أنا، وأحيانًا يتنازل هو، لكن الهدف دائمًا أن ينتصر العمل نفسه. وأعتقد أن أجمل ما في الأمر أنني أتعامل معه كفنان محترف يملك رأيًا وتجربة، وليس فقط كابن، وهذا يجعل الحوار بيننا أكثر نضجًا ومتعة”.
وفي مجمل حديثه، بدا خالد الحربي أقرب إلى فنان يرى الفن مشروعًا طويلًا للتشكل لا محطة مكتملة. وبين تجربته الشخصية، ومراقبته لتحولات الدراما السعودية، وحديثه عن تجربة ابنه فيصل، تتكشف صورة جيل عاش التحولات الكبرى للفن السعودي، لا بوصفه شاهدًا عليها فقط، بل بوصفه أحد صانعيها أيضًا.





