الصين تعيد ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط: الخليج أولاً وإيران بشروط

بعد توقيع مذكرة تفاهم تهدف إلى إنهاء الصراع في عام 2026، حصلت طهران على مساحة دبلوماسية تسمح لها بتنشيط الاتفاقيات الاستراتيجية المعلقة مع بكين، وعلى رأسها شراكة تمتد لخمس وعشرين عاماً. إلا أن تنفيذ هذه الاتفاقيات سيظل خاضعاً لحسابات الصين، أكثر من كونه نتاجاً لإرادة طهران، حيث تنظر بكين إلى إيران التي خرجت من الصراع كمنطقة نفوذ وفرصة استثمارية، لا كشريك استراتيجي يمكنه موازنة وزنها أو التأثير على قراراتها الكبرى. وبالتالي، لم يتحقق بعد التحول الاقتصادي والاستثماري الذي كانت طهران تأمل فيه عند توقيع الاتفاق.
النهج الصيني في ما بعد الصراعات
لن يكون دور الصين في هذه المرحلة صاخباً أو احتفالياً؛ فالتاريخ الصيني في التعامل مع بيئات ما بعد النزاعات يتسم بثلاث مسارات متوازية: استبدال التحالفات السياسية الواضحة بالاقتصاد كبديل رئيسي، ربط وتيرة المشاركة بمدى حاجة الطرف الآخر ومدى التزامه، وتقديم نفسها للمجتمع الدولي كضامن اقتصادي للاستقرار بعيداً عن أيديولوجية أي طرف. يتيح هذا التموضع لبكين مرونة أكبر في التحرك، مع بقاء الفاعلية الفعلية في يدها حتى وإن بدت في الظاهر كاستجابة لمطالب الشركاء المحليين.
الأولوية الخليجية على الإيرانيّة
الجانب الأكثر بروزاً في السلوك الصيني المتوقع هو ترتيب أولوياتها الإقليمية. فبكين لن تسعى إلى تعميق علاقاتها مع إيران قبل أن تستقر شبكة مصالحها مع دول الخليج العربي. وهذه ليست مجرد مناورة تكتيكية مؤقتة، بل تعبير عن منطق بنيوي يوجه رؤية الصين للمنطقة. فدول الخليج تُعدّ المصدر الأكثر موثوقية للطاقة والشريك الاقتصادي الأهم، وتتمتع بفوائض مالية قادرة على دعم الاستثمارات والمشروعات الضخمة. أما إيران، رغم أهميتها الجيوسياسية، فإن الصراع أضعف من قدرتها على تعويض هذه المعادلة أو تقديم بديل موازن لها.
القبول الخليجي وتجنب التوترات
تحتاج الصين إلى درجة من القبول الضمني من دول الخليج لتدخلها الاقتصادي في إيران، لتجنب أن يُنظر إلى هذا الوجود على أنه عامل يزيد من التوترات أو يشجع على التصعيد. وتدرك بكين أن أي تصور سلبي لدى عواصم الخليج تجاه دورها في طهران قد ينعكس سلباً على مصالحها الاقتصادية الأوسع في المنطقة، وقد يمنح الولايات المتحدة مساحة أكبر لتضخيم المخاوف الإقليمية من حضور صيني متزايد.
السعودية كركيزة أساسية
من هنا، ستسعى بكين إلى تعزيز شراكتها مع المملكة العربية السعودية لتصبح العمود الفقري لاستراتيجيتها الشرق أوسطية. فالسعودية ليست مجرد مصدر رئيسي للطاقة، بل شريك اقتصادي واستثماري يمتاز بوزن سياسي وجيوسياسي يجعل استقرار العلاقة معها أولوية دائمة للصين. لذا ستواصل بكين توسيع التعاون في مجالات الطاقة، والاستثمار، والتقنية، والبنية التحتية، ومشروعات مبادرة الحزام والطريق، لتؤسس للرياض كواحدة من أهم القواعد الإقليمية التي تنطلق منها إلى بقية ملفات المنطقة، بما فيها الملف الإيراني.
الرسالة التي تسعى الصين إلى إيصالها لدول الخليج هي أن مشاركتها في إيران لا تهدف إلى تصعيد التوترات أو إنشاء محور إقليمي جديد، بل إلى استثمار النفوذ الاقتصادي لضبط السلوك الإيراني وضمان بقاء طهران على مسار التسوية والاستقرار. فكلما ارتفعت الاستثمارات الصينية في إيران، ارتفعت تكلفة أي تصعيد يهدد تلك الاستثمارات، ما يجعل المصالح الاقتصادية الصينية أداة ضغط غير مباشرة على صانعي القرار في طهران.
عند تنظيم هذه الترتيبات، سيتعامل بكين مع إيران كدائن ومستثمر أكثر من كونها حليفاً أمنياً تقليدياً؛ إذ سيقابل إعادة الإعمار بحصص اقتصادية واستثمارات، مقابل الحصول على نفاذ طويل الأمد إلى قطاعي الطاقة والبنية التحتية، وتوسيع دور اليوان في المعاملات التجارية والمالية، مع ممارسة ضغط هادئ ومستمر على طهران لتفادي أي سلوك يهدد الاستقرار الذي تسعى الصين إلى الاستفادة منه.
في هذا الإطار، تبرز الفرصة الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية لتكون القوة الضابطة الإقليمية التي تمنح الوجود الصيني في إيران درجة أعلى من القبول والاستقرار. تتمتع الرياض بموقع سياسي واقتصادي يجمع بين علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، ما يجعلها القادرة على لعب دور النقطة المحورية التي لا تستطيع أي دولة أخرى أن تضطلع به بنفس القدر.
من يمتلك هذا الوزن الإقليمي بين بكين وطهران وواشنطن لا يصبح مجرد طرف في معادلة التوازنات، بل أحد صانعيها. فالقوة الضابطة لا تُقاس بميولها للانحياز إلى محور معين، بل بقدرتها على جعل مختلف المحاور تمر عبرها سعيًا لتحقيق مصالحها الخاصة. وهنا تكمن إحدى أهم النتائج الاستراتيجية التي قد تخرج من مرحلة ما بعد فرساي في الشرق الأوسط.





