مدرسة قباطاش.. منارة على ضفاف البوسفور تصنع النخب منذ أكثر من قرن

تقع مدرسة قباطاش الثانوية للبنين على ضفاف مضيق البوسفور في إسطنبول، وتواصل مسيرتها التعليمية التي انطلقت قبل 118 سنة، تستقبل يومياً مئات الطلاب في مباني قصور “فريه” التاريخية بمنطقة أورتاكوي.
التأسيس والتطور التاريخي
أسست المدرسة في 18 مايو/ أيار 1908 خلال حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، حيث نشأت في موقع كان يضم سابقًا مدرسة “العشائر” وبدأت بسبع فصول دراسية و276 طالباً. وفي 1913 أضيف إليها القسم الابتدائي وحملت اسم “قباطاش سلطاني”. بعد إعلان الجمهورية التركية وإلغاء نظام المدارس السلطانية، تحولت إلى “مدرسة قباطاش الثانوية للبنين” اعتباراً من العام الدراسي 1923-1924، مع الحفاظ على إرثها وتقاليدها.
ارتبطت المدرسة بحروب البلقان وتشناق قلعة؛ فقد انضم عدد من طلابها إلى جبهات القتال ما حال دون تخريج دفعتين، وعرفت لاحقًا باسم “المدرسة المحاربة” أو “المدرسة الغازية”. ولتكريم من سقطوا في تلك المعارك تغيرت ألوان راية المدرسة من الأحمر والأبيض إلى الأحمر والأسود، وهي الألوان المستخدمة حتى اليوم.
الموقع والمرافق
مع زيادة أعداد الطلاب، انتقلت المدرسة مع بداية العام الدراسي 1928-1929 إلى قصور فريه التاريخية في أورتاكوي بمنطقة بشيكطاش، حيث ما زالت مبانيها قائمة. وفي 1941-1942 أُغلق القسم المتوسط وأصبحت ثانوية فقط، ثم أضيف القسم الثالث من قصور فريه عام 1949 واستخدم كمبنى داخلي للطلاب.
اعتمدت المدرسة نظام التعليم المختلط في 1992-1993، وحصلت في 1998-1999 على صفة “مدرسة الأناضول الثانوية” التي تتميز ببرامج متخصصة وقبول تنافسي. ومنذ 2006-2007 يتبع النظام سنة تحضيرية تليها أربع سنوات دراسية، مع الحفاظ على المباني التاريخية ومقتنياتها التي توثق مراحل مختلفة من تاريخها.
تحتوي المدرسة على متحف يضم راية مدرسة قباطاش السلطانية وراية مدرسة قباطاش الثانوية للبنين، بالإضافة إلى تماثيل نصفية لخريجين تركوا بصمات في مجالات مختلفة، مثل سليمان رضا سبا وعمر سيف الدين وبهجت نجاتيغيل وغالب فاردا وفاروق نافذ تشامليبيل وعدنان قهوه جي، وميدالية الاستقلال ووثيقتها التي منحت لخريج المدرسة غالب فاردا.
الإنجازات الأكاديمية والخريجين البارزين
يؤكد مدير المدرسة محرّم بيرق أن المدرسة تستقطب الطلاب الحاصلين على 500 نقطة كاملة في امتحان الانتقال إلى المدارس الثانوية، وتحقق نتائج متميزة في امتحان مؤسسات التعليم العالي، حيث قبل عدد من الخريجين في جامعات خارج تركيا.
يذكر بيرق أن المدرسة تضم حالياً خمسة إداريين وسبعين معلماً و806 طلاب من سبعين وعشرين ولاية تركية، وأن نحو ثمانين بالمئة من خريجيها يفضلون الالتحاق بالجامعات داخل تركيا. وأظهر تحليل نتائج امتحان القبول الجامعي تحقيق المدرسة ثلاثة مراكز ضمن الخمسة الأوائل، وخمسة ضمن العشرة الأوائل، وعشرين وأربعة ضمن المئة الأوائل، وثلاثة وسبعين ضمن أول 500، وأربعة وتسعين ضمن أول ألف، وثلاثمائة وأربعة ضمن أول خمسة آلاف.
يلتحق حوالي ثلاث وخمسين طالباً بكليات الطب، وحوالي سبعين طالباً بكليات الهندسة، بينما حصل عشرين بالمئة من الطلاب على قبول ومنح دراسية في جامعات مرموقة حول العالم. ويشير بيرق إلى أن من بين خريجي المدرسة أوزدمير بيرقدار، أحد الأسماء المرتبطة بمشروع “النهضة التكنولوجية الوطنية” والطائرات المسيّرة المسلحة التركية.
لا تقتصر أنشطة المدرسة على الجانب الأكاديمي؛ فهي تضم ورش عمل في مجالات الروبوتات والطائرات المسيرة والحرف اليدوية والسينما والتصوير والفنون البصرية، وتخطط لإنشاء ورش متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتصميم الصناعي وتقنيات المعلومات.
الإرث والمسؤولية
يؤكد بيرق أن استمرار المدرسة في أداء دورها التعليمي منذ 118 سنة يضع مسؤوليات كبيرة على إدارتها، مشيراً إلى أن قوة شبكة الخريجين وارتباطهم بالمدرسة يشكلان دعماً أساسياً للمؤسسة.
يضيف أن اتساع شبكة الخريجين وحرصهم على دعم المدرسة، إلى جانب تحفيز الطلاب، يدفع الإدارة لتحقيق مزيد من النجاح وإنتاج المزيد من المشاريع وتحسين البيئة التعليمية.
ويختم بيرق بالقول إن النظر إلى الطلاب باعتبارهم “مستقبل البلاد” يدفع إدارة المدرسة إلى العمل بروح وطنية كبيرة للمساهمة في تشكيل هذا المستقبل، مؤكداً أن دور المدرسة يتجاوز التعليم الأكاديمي إلى دور تربوي ومجتمعي أوسع.





