الرئيسيةعربي و عالميفطر تشيرنوبيل الأسود: هل يستفيد من...
عربي و عالمي

فطر تشيرنوبيل الأسود: هل يستفيد من الإشعاع؟

21/08/2026 21:08

بعد مرور أكثر من أربعين سنة على حادث تشيرنوبيل النووي، تستمر المنطقة في إظهار كائنات حية نادرة، ومن أبرزها فطريات داكنة اللون تنمو في بيئات ملوثة بالإشعاع بشكل مكثف.

الفطريات السوداء في تشيرنوبيل

أحد هذه الفطريات هو “كلادوسبوريوم سفيروسبرمم” الذي يحتوي على نسبة عالية من صبغة الميلانين، وقد تم رصده داخل منشآت الاحتواء الخاصة بالمفاعل الرابع في محطة تشيرنوبيل.

لا تقتصر أهميته على قدرته على تحمل الإشعاع فحسب، بل تشير أبحاث إلى أن الميلانين قد يساعده على التعامل مع الطاقة الإشعاعية بطريقة معقدة، مما يفتح باب التساؤل حول ما إذا كان يستفيد منها فعلياً في نموه.

التنوع الفطري ودور الميلانين

مسوحات أجريت في عامي 1997 و1998 كشفت عن انتشار واسع لنمو فطري على الجدران والمنشآت الداخلية للمفاعل المتضرر.

دراسة نشرت عام 2000 حددت نحو سبعة وثلاثين نوعاً فطرياً تنتمي إلى تسعة عشر جنساً، وكان “كلادوسبوريوم سفيروسبرمم” من بين الأنواع الأكثر شيوعاً.

لاحظ الباحثون أن الفطريات الغنية بالميلانين كانت أكثر انتشاراً في المناطق ذات التلوث الإشعاعي المرتفع، ما عزز الفرضية بأن هذه الصبغة تمنحها مقاومة إضافية للظروف القاسية.

يُعرف الميلانين بقدرته على امتصاص طيف واسع من الإشعاع وتقليل الأضرار التي قد تلحق بالخلايا، وأظهرت أبحاث أن خصائصه الوقائية ترتبط بتركيبه الكيميائي وقدرته على تحييد جزيئات نشطة تتشكل عند تعرض الخلايا للإشعاع.

فرضية التخليق الإشعاعي والتجارب الفضائية

في دراسة نشرت عام 2007 في دورية “بلوس ون”، وجد الباحثون أن الإشعاع المؤين يغير بعض الخصائص الإلكترونية للميلانين ويعزز قدرته على نقل الإلكترونات.

كما سجلت أنواع من الفطريات الميلانينية زيادة في النمو والنشاط الأيضي بعد تعرّضها للإشعاع، وظهر تأثير مشابه لدى “كلادوسبوريوم سفيروسبرمم” عندما نُمت في بيئة محدودة العناصر الغذائية.

هذه النتائج أدت إلى طرح فرضية تُعرف باسم “التخليق الإشعاعي”، وتقترح أن الميلانين قد يساعد بعض الفطريات على التقاط جزء من طاقة الإشعاع المؤين والاستفادة منها، على نحو يشبه استخدام النباتات لضوء الشمس في التمثيل الضوئي، مع التأكيد على أن العملية ليست متماثلة تماماً.

حتى الآن لم يحدد العلماء مساراً أيضياً متكاملاً يوضح كيفية تحويل الإشعاع إلى طاقة كيميائية قابلة للاستخدام، ولم يثبت أن العملية تؤدي إلى تثبيت الكربون، لذا يبقى القول إن الفطر “يتغذى على الإشعاع” وصفاً مبسطاً لفرضية لم تُحسم بعد.

لم تقتصر الدراسة على تشيرنوبيل؛ إذ أُرسل “كلادوسبوريوم سفيروسبرمم” إلى محطة الفضاء الدولية لاختبار نموه وقدرته على تخفيف الإشعاع.

خلال تجربة استمرت نحو شهر، سجلت أجهزة القياس الموضوعة أسفل طبقة فطرية لا تتجاوز سماكتها مليمترين انخفاضاً محدوداً في مستوى الإشعاع مقارنة بالجانب الضابط، وأظهرت النتائج نمواً أكبر للفطر في بيئة المحطة.

ومع ذلك فإن هذه النتائج لا تزال أولية؛ إذ نُشرت الدراسة على منصة للمسودات العلمية ولم تمر بعملية التحكيم العلمي التقليدي، وكانت التجربة صغيرة ومحدودة، ولا تثبت أن الفطر يستطيع بمفرده توفير الحماية اللازمة للبشر في الفضاء.

ويدرس الباحثون إمكانية الاستفادة من الفطريات الميلانينية أو الميلانين المستخلص منها ودمجه بمواد أخرى لتطوير دروع إشعاعية قابلة للتجدد خلال الرحلات الفضائية الطويلة.

ويبقى الثابت أن بعض الفطريات الداكنة تمتلك قدرة ملحوظة على تحمل البيئات الإشعاعية، وأن الميلانين يلعب دوراً مهماً في حمايتها وربما في تعزيز نموها، بينما لا يزال تحول الإشعاع نفسه إلى مصدر مباشر للطاقة الحيوية لغزاً علمياً ينتظر دليلاً حاسماً.